الاثنين، 22 ديسمبر 2008

التعليم والمواطنة ( العلاقة المفقودة)


ورقة مقدمة من :- عبد الحفيظ طايل

مدير المركز المصري للحق في التعليم


تنطلق هذه الورقه من رؤيه مستنده على ما أقرته كافه المواثيق الدوليه لحقوق الآنسان فيما يتعلق بالحق فى التعليم وأدراك هذه المواثيق للصله الوثيقه بين كافه الحق فى التعليم وأنماء كامل جوانب الشخصيه الآنسانيه خلق بيئة تمثيلية (نموذج) داخل المدارسه يؤكد ويعزز قيم المواطنه والآعلان من شأن قيم الاختلاف وأحترام الآنسان والسلام الآجتماعى والعالمى وعلى الآخص :-


*- الآعلان العالمى لحقوق الآنسان
*- العهد الدولى الخاص بالحقوق الآقتصاديه والآجتماعيه والثقافيه
*- العهد الدولى الخاص بحقوق المدنيه والسياسيه
*- الآتفاقيه الدوليه الخاصة بنبذ التعصب الدينى
*- الاتفاقيه الدوليه الخاصه بها قصه التمييز فى مجال التعليم
*- أتفاقيه حقوق الطفل
*- اتفاقيه مكافحة التمييز ضد المرأه

وكذا المبادرات ذات الصله كإعلان داكار وغيره وكذا من مواد الدستور المصرى أرقام 21,20,18


1- البيئة القانونية
عندما أطلقت وزارة التربيه والتعليم الخطة الآستراتيجيه لتطوير التعليم من 2007 الى 2012 أقرت فى النقطه الخاصه بالوثائق الآساسيه التى أنطلقا منها الخطة قالت أن هذه الوثائق هى :-
البرنامج الآنتخابى للسيد رئيس الجمهوريه , وبيان الحكومه , وأوراق السياسات بالحزب الوطنى الديمقراطى فى مؤتمراتة السنويه , والوثائق الصادره عن مجلس الشعب الشورى والمجالس القوميه المخصخصه , ونقابه المعلمين , ومؤسسات البحث العلمى الوطنيه على اختلافها, وألتزام مصر بالمعاهدات الدوليه والخبرات التاريخيه و الممارسات الناضجة لوزاره التربيه والتعليم

2- لم تشر الخطة الآستراتيجيه الموضوعه من قبل الوزارة من بعيد أو قريب الى الدستور المصرى فى وثائقها التى انطلقت منها ربما لآن الدستور يتحدث عن أن التعليم حق تكفله الدوله وأنه مجانآ فى مؤسساتها الدوليه التعليميه المختلفه كذا فإن الخطة عند إشارتها للدستور في الباب الأول الخاص بتحليل الوضع الراهن ص12 قامت بمغالطة كبيرة حيث قالت أن الدستور يكفل الحق في التعليم الأساسي وتركت باقي المادة وكأن الدستور ينص علي كفالة الحق في التعليم الأساسي فقط , ورغم هذا فإن تقرير التنمية البشرية الأخير يقول أن 14.7 % من الأطفال المصريين محرومين من التعليم.
3- سبق وضع هذه الآستراتيجيه قانون هام جداً هو القانون 82 لسنه 2006 المعروف بقانون أنشاء هيئه ضمان الجودة والآعتماد فى التعليم وهو القانون الذي يحيطه الكثير من الغموض ولعل القراءة المختصرة التالية توضح ما أرمي إليه


أولا :- توجهات المشروع :-
أ‌- محددات التوجه
عـــدم الدراية والحـــرص على الشكــــلية احـــــــــتوي المـــشروع الذي ناقشه مجلــــــــــس الـــــــــشورى على
1. تسمية المشروع كالأتي (مشروع قانون الهيئة القــــــــومية للاعـــــــتماد وضمــان جــــــــودة التعلـــــــيم) ثم تم تعديل الاســــــــم إلى الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد في مجلس الشعب وهذا الأمر يكاد يكون مؤشراً على عدم دراية المشروع بأهداف الهيئة أصلاً أو أن يكــون لديه دراية بأهداف غير معلنة للهيئة جعلته يفقد تركيزه عند تسمية الهيئة ( هل هي للاعتماد أولاً آم لضمــان الجودة أولا ؟).
ب‌- التعليمات الرئاسية
أشار المشروع المقدم لمجلس الشورى إلى انه جاء كرد فعل لإشارة رئاسية أصدرها السيد رئيس الجمهورية في مناسبات عديدة كان أخرها بيان الرئيس في افتتاح الدورة البرلمانية في 19/12/2005 واحتوت الشارة الرئاسية على تحديد أهداف الهيئة في تطوير التعليم وفق معايير معترف بها دولياً.
جـ- المؤسسات الدوليةاستند المشروع إلى المؤسسات الأمريكية البريطانية واليابانية وهو ما يعكس مستوي المعايير التي استوردتها الدولة لتطبيقاتها على المدارس المصرية، ولكن تفاجئنا المقدمة الخاصة بمناقشات مجلس الشوري بأنه يجب ألا يهدف الاعتماد في النموذج المصري إلى تصنيف أو ترتيب المؤسسات التعليمية · غير إن المواد الواردة بالقانون ومن بدايتها في التعريفات تبدأ في التأسيس لعدم الوضوح وعدم الشفافية بل وتحتوي مواد القانون ( المواد المفصلية فيه ) على مواد حاجبة للشفافية وهو المرض المتضخم أصلا الذي يعاني منه التعليم المصري وخاصة المواد ( 2، 3، 8، 12، 15، 20، 23 ) وتسمح لان يحيد القائمون علي أمر الهيئة بالمشروع عن أهدافه التي كان من المنتظر أن تحققها الهيئة والتي تتلخص في :-

1 – كفالة وضمان تقديم خدمة تعليمية ذات جودة بالمعنى العلمي.
2 - الإشراف علي معدلات الإتاحة والاستيعاب.
3 - ضمان تقديم برامج تعليمية تواكب العصر وتسعي لتمكين المتعلمين من تنمــية قدراتهــم الذاتية ومراقبة أداء وزارة التربية والتعليم في ذالك.
بينما القانون الصادر يمهد عمليا إلي حرمان الفقراء من التعليم بالإضافة إلي المثالب المذكورة سابقا من عدم الشفافية وفتح باب الفساد مثل المواد رقم (3 فقرة 2 و4 فقرة 12 والمدة8 و12و15و22و23).
والمواد سالفة الذكر تثير الكثير من التساؤلات حول:
1- إذا كانت معايير ضمان الجودة هي معايير واحدة تستند إلي العلم فما هو المقصود بثوابت الأمة وهوية الأمة في المادة 3 فقرة 2 والمادة 4 فقرة 12؟


إن هاتين العبارتين تحجبان الشفافية وتسمحان بعدم استيفاء معايير ضمان الجودة بمعني علمي وتترك للقائمين علي أمر الهيئة التغاضي عن أو التشدد في التعامل مع المؤسسة التعليمية حسب تفسيراتهم الشخصية لثوابت الأمة وهويتها

2- المادة 12 من القانون بها الكثير من الثغرات التي يمكن أن تؤدي إلي حرمان الطلاب في المناطق الفقيرة وخاصة في الريف وفي الضواحي الفقيرة والعشوائية في المدن من حقهم في التعليم مثل الصلاحيات الممنوحة للوزير المختص والهيئة في الإجراءات التي تتخذ ضد المؤسسة التي لا تستوفي معايير الجودة ومنها تأهيل المؤسسة علي نفقتها أو إيقاف قبول طلاب جدد
تتعارض المادة 15 مع المادة واحد من القانون، كما أنها تسمح في الفقرة السابعة منها بأن يشوب الفساد وعدم الشفافية أعمال الهيئة0
4-المادة الثامنة من القانون والتي تحدد الحد الأقصى لرسوم الاعتماد تهدد كل المؤسسات التعليمية العامة وخاصة في المناطق الفقيرة باستحالة تدبير الرسوم الخاصة بالاعتماد ولا تجيب علي سؤال كيفية تدبيره فيما يتعلق بالمؤسسات الحكومية فحتى لو فرضت الهيئة رسوم تصل إلي عَشر الرسوم المقررة (خمسون ألف جنية كحد أقصي ) فمن أين ستوفر المؤسسة الحكومية خمسة ألاف جنية ؟ وهذه هي النقطة الأكثر خطورة حيث:
-1- أولا يجعل القانون من المؤسسات التعليمية هي مصـــدر التمويل وكـذلك هي نفسها التي تخضع للتقويم
-2- سوف تتمكن المؤسسات التعليمية الخاصة من رفع رسوم التقويم في حدها الأقصى علي عكس المؤسسات التعليمية الحكومـــية وبالتالي ينتفي مبدأ المساواة أمام القانون ومبدأ تكافؤ الفرص مما يعرض القانون لعدم الدستورية

-3- سوف تتعرض المؤسسات التعليمية الحكومية إلي الإجراءات العقابية المنصوص عليها في المادة 12 من القانون فيتم حرمان الطلاب (مثلا) من حقهم في التعليم لان المؤسسة
غير جيدة (وكأن الطلاب هم المسئولون).
4-سبق هذه الخطة أيضآ تعديل الباب السابع من قانون التعليم بالقانون 155لسنة 2007 وهو التعديل المعروف بالكادر الخاص للمعلمين والذى أباح الفرصة للسيد وزير التعليم بأستثناء حق المعلمين من شرط الجنسيه بنسبه تصل الى 1 الى 10% من المعلمين
5- ثمه قانون أخر هام هو القانون الخاص بنقابه المهن التعليميه وهو القانون الذي يفرد في الجزء الخاص بحقوق المعلم بابا مكونا من 8 مواد بينما يفرد للجزء الخاص باللائحة التأديبية 16مادة. كذلك فإن القانون في توجهاته يجعل النقابة أداة لحشد المعلمين وغيرهم لمشروعات الدولة القومية. وتأتي الأنظمة المتوازية في التعليم قبل الجامعي في مصر والقائمة بشكل اساسي علي التمييز الطبقي لتكمل هذه البيئة القانونية وتتفاعل معها.


2- تقسيمات ممكنة للتعليم
تعليم الفقراء
تعليم حكومى رخيص
أو تعليم خاص رخيص أيضآ
أو أزهرى
يفتقد تمامآ الى أسس المواطنه بسسب الكثافات العاليه وثقافه المزاحمه والدروس الخصوصيه وصعوبه ممارسه الآنشطه كما أن المحتوى التعليمى قائم على التمييز بل احيانآ على أطضهاد الاقليات وفى كل الآحوال فأن المناهج تعبر تعبيرآ كاملا عن وجهة نظر المؤسسه الحاكمه والمشايخ والقساوسه للعالم وتفرضها فرضآ على عقول الطلاب ووجهات النظر هذه فى غالب الآحيان تحمل طابعا تميزيآ

2- التعليم الخاص
بالمصرفات غير الباهظه وهو الموجه لآبناء شريحه من الطبقه الوسطى كالمهنيين وهو خاضع بشكل اساسى لآستثمارات مجموعات كبيره من دعاه تسييس الآديان سواء كانوا مسلمين أو أقباط وهو يقوم أساسآ على الحفظ والتلقين وهو فى ذلك لا يختلف عن التعليم الحكومى، بل أن بعض هذه المدارس لاتقبل طلاب من ديانات مخالفة اساسآ ويمتد الامر فى بعض الحالات مثل المعاهد الخاصه الآزهريه (عربي –لغات ) إلى فرض زي معين على العاملين وخاصة النساء، وتقوم بتمييز فى المقابل المالى أو الراتب على اساس نوع الزى فمثلا التى ترتدي نقاب تحصل على راتب اعلى من التى ترتدى الحجاب بأشكاله
لمختلفه ( خمار –أسدال – حجاب عادى) وهناك بعض المدارس الاسلاميه التى تفرض خروج المعلمين بها للاعتكاف بالمساجد
3- المدارس الخاصة عاليه المصاريف
يتمتع بها بشكل أساسى أبناء ألآغنياء وتصل مصاريفها الى عشرات الآلاف وبالتالى تتيح الفرص للدراسه باللغات الأجنبيه ودراسه المناهج المتطوره وممارسه الآنشطه المختلفه بكفاءة عاليه


4- القوميات
تدرس بالغه العربيه ولآبناء الطبقه المتوسطه ومصروفتها من 2000 الى 3000جنيه سنويآ ويوجد أقسام بذات المدارس تدرس باللغات الأجنبية تصل المصروفات بها الى 17الف جنيه. ولقد طالب أولياء آمور الملتحقين بأقسام اللغات أحد رؤساء مجالس القوميات السابقين بضرورة بناء سور يعزل ابنائها عن ابناء الفقراء، وأمتد نفس المنطق الى المدارس التجريبيه حيث توجد مدارس تجريبيه مصرفاتها تصل 200جنيه فى السنه وتجريبيه مميزه تصل مصروفاتها الى 1000جنيه فى السنه وأكثر.
5- المدارس الدوليه
ويتعلم بها أبناء الآغنياء جدآ وكبار المسؤلين بالدوله مثل أبناء الوزراء ومنهم بالطبع أبناء السيد وزير التعليم ووزير العليم العالى وهى مدارس تقدم تعليمآ بمواصفات جودة عالميه وتتيح للمتعلمين بها فرص عمل على مستوى العالم وبطبيعة الحال تقف وراء هذه الفوضى التى تنال من مبدء المواطنة وأسس المساواه منظومه قانونية كاملة تتمثل فى القانون 139 بتعديلاته ومجمل القرارات الوزاريه المتعلقة بشأن المدارس بأنواعها المختلفه وكذلك القانون الخاص بالتعليم الآزهرى وقانون نقابة المعلمين كما سبقت الإشارة.

بنيه التمييز والاستبعاد الاجتماعى
التعليم الذى يكرس البطاله بسبب ضعف مردوده التكوينى ليحض المهارات والقدرات فيعيد توزيع الأعمال المنحطه والحاطه من الكرامه الآنسانيه ( مسح ألاحذيه – وتنظيف المنازل ومداخل العمارات السكنيه ومسح سلالمها –وجمع القمامه 00الخ ) لتكون من نصيب خريجى الجامعات الفقراء مما يؤدى عمليا الى أحساسهم بالاغتراب فى مقابل الفرص العاليه للتوظف في مواقع مرموقه أو على الآقل مقنعه لآبناء ألآغنياء 0والآمر الأكثر تعقيدآ هو كون خريجي الجامعات الذين يقومون بهذه الاعمال المنحطه يجدون فيها ملاذهم وذلك لعجزهم عن تطوير قدراتهم فهم من جهة لم يتم تمكينهم من تطوير قدراتهم ذاتيآ ومن جهة أخره لم يتعلموا فى مناخ يتيح الحفاظ على الكرامه الآنسانيه والإنماء الكامل للشخصية الآنسانيه وإذا كنا نعرف المواطنة علي أنها المساواه الكامله بين الآفراد فى الحقوق والواجبات وفقآ لبيئة حقوقية وقانونيه تحض على هذه المساواه فإن كل ممارسة يمكن أن تكون أو تؤدي إلي أو تفسر علي أنها
ممارسة تمييزية هي بالضرورة تؤدي إلي التحول بالتعليم من كونه الأداة الأكبر لترسيخ قيم المواطنة إلي كونه من معاول هدم هذه القيم.

التعليم والثقافة
يتأسس الدور الثقافي للتعليم على أساس دور التعليم في الإنماء الكامل لشخصية المتعلمين بما يضمن الحس بكرامة الشخصية الإنسانية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للإنسان بما فيها من حرية التفكير الاعتقاد والبحث العلمي والإيمان بنسبية المعرفة وذلك من اجل تمكين الفرد من القيام بدور نافع في مجتمع مؤسس على أواصر التفاهم والتسامح ولابد للتعليم لكي يقوم بدوره الثقافي إن يتخذ أشكالا عديدة أهمها المعلوماتية وتحفيز الطلاب على السعي نحو المعرفة بمحاولة امتلاك أدواتها وطرق التفاعل مع مصادرها.
ورغم وجود تحسن في نسب امتلاك أجهزة التليفزيون واستخدام الانترنت وانتشار ظاهرة الصحف المستقلة، وبالرغم من تنوع أنماط التعليم في مصر بين التعليم حكومي مدني وتعليم ديني أزهري وتعليم خاص ومدارس لغات ومدارس أجنبية بما قد يفسر الأمر على أنه تنوع يتيح تكافؤ الفرص وتوسيع البدائل. ألا إن نسقا واحداً ينظم هذه الأنماط جميعاً ويمحور التعليم حول اجتياز الامتحانات وهي في الغالب لا تقيس سوي كمية المعلومات التي اختزنها الطالب في ذاكرته مع تدعيم ذلك بأساليب التلقين والإلقاء مع الإبقاء على الكتاب المدرسي كمصدر وحيد للمعرفة وعلى المعلم كمالك لها ورغم إن وزراء التعليم يرددون دائماً أنهم ضد هذه القيم وأن الامتحانات تراعي منذ التسعينات وحتى الآن اختبار ملكات التفكير وتحفز الطالب على الإبداع إلا إن واقع الحال ينفي ذلك فنسبة الأسئلة التي تقيس قدرات التفكير العليا لدى الطالب لا تتجاوز 15% من أي امتحان، فضلا عن أن الكثافة المرتفعة للفصول، وضعف الإنفاق وعدم تدريب المعلمين بالشكل المطلوب وعدم تحفيزهم وشكل الكتاب المدرسي نفسه وطريقة إعداده سوف تهدر كل محاولة للارتقاء بشخصية الطالب، كما يقف الدور السياسي للمدرسة والمتجسد في شكل من إشكال الحشد الإيديولوجي حيث تعلق صور رئيس الجمهورية في كل فصل دراسي ويتم التركيز في المناهج ذات الصلة كالتاريخ مثلاً على إنجازات مؤسسة الحكم القائمة لابد أن يكون عائقا يحول دون كل محاولة للإصلاح باتجاه مبادئ المواطنة التي تستلزم وجود بيئة ديمقراطية داعمة لحق الاختلاف. كذلك فإن الادعاء بأن أتمتة التعليم سوف تغير من ذلك كله هو ادعاء مردود عليه بإن استبدال جهاز كمبيوتر بالمعلم (الباء تدخل علي المتروك) هو أمر يصب في خانة تقليص العمالة حيث أن جهاز الكمبيوتر يقوم بنفس الدور التلقيني عن طريق الاسطوانات التعليمية التي يستخدمها المعلم والمصممة بشكل أكثر تخلفا من التلقين البشري وكذلك فإن التعامل مع كل أزمات التعليم على أساس الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل فقط لا يحل المشكلة لأنه تعامل من وجهة نظر الشركات يتجاهل كون التعليم أحد الحقوق الأساسية للإنسان.
وعندما بدأت الحقبة النفطية والتي صاحبت بداية التوجه إلى آليات السوق امتلأت الكتب الدراسية بقيم تحتقر العلم وتنوع المعارف ونسبيتها لحساب التفسير الغيبي للكون وظواهره كما ساعد علي ذلك التدهور الشديد في مستوي الخدمة التعليمية والسعي إلى تثبيت قيم الطاعة والأحادية والنمذجة بما في ذلك من محافظة على السائد ومحاولة تأبيده حتى إن السيد وزير التعليم الأسبق نفسه وهو الشخص ذائع الصيت كمستنير بعث بنشرة إلى مديري الإدارات التعليمية ومديري المدارس بعد زلزال أكتوبر1992 الشهير يأمرهم بتقديم التفسير التالي بشأن الزلزال إلى طلاب المدارس.
1. الزلزال ابتلاء من الله لمصر وليس غضباً كما يروج البعض.
2. توقيت الزلزال يؤكد إن الله تعالي يحب مصر حيث إن الزلزال وقع بعد إن اتجه الموظفون والطلاب إلى منازلهم فقلت بذلك الخسائر، كما دلل الوزير على ذلك بقوله تعالي " أدخــلوا مصر إن شاء الله أمنين".
وهذا الأمر بالغ الخطورة ينفي الواقع والعلم تماما لصالح الغيب وإذا كانت المحافظة على الهوية والتراث هي احد أهم وظائف التربية فان السعي إلى تغيير الواقع وتطويره والبحث عن طرق تكفل الانفتاح على الأخر من وظائف التربية غير إن النسق التعليمي وذهنية القائمين على التعليم كذا تغليب عناصر التربح والتجارة على التعليم الخاص، وما يعتري نظام الامتحانات من مثالب بداية من النظر للامتحان على انه الطريق الوحيد للترقي مرورا ً بشكل الأسئلة ونمط الإجابات المطلوبة والتوزيع النسبي للدرجات بحيث يكون نصيب الأسئلة التي تقيس الحفظ هو النصيب الأكبر، وكذا ظاهرة الغش الفردي والجماعي كل ذلك يؤثر بالسلب على الدور الثقافي للتعليم.

التعليم و العنف
ظلت المدارس المصرية منذ السبعينات خاصة في الأحياء الفقيرة والقرى والصعيد تمد جماعات العنف الديني برصيد هائل من عضويتها كما كانت هذه المدارس هي نفسها مكانا ملائما لحوادث عنف بين الطلبة وعنف موجه لهم من المدرسين وذلك للأسباب التالية :

1- الاعتماد على أحادية المصدر بالنسبة للمعلومات.
2- الاعتماد على المدرس كمالك وحيد للمعلومة وللطريقة الوحيدة لتوصيلها.
3- الاعتماد على التلقين كوسيلة وحيدة لتوصيل المعلومة.
4-الكثافة العالية للفصول وعدم وجود أنشطة مدرسية لقصر مدة اليوم الدراسي بسبب عمل المدارس أكثر من فترة فى اليوم الواحد.
5- لجوء المدرسين للعقاب البدنى وإساءة المعاملة للسيطرة على الطلاب.
6- الضعف الشديد فى رواتب المدرســـــين مما جعلهم يمارسـون العنف ضد الطلاب لأحبارهم على الدروس الخصوصـــــية وذلك بسبب ضعف قدرتهم على التنظيم للدفاع عن حقوقهم فى مواجهة الدولة وخوف من عنفها الشديد فى نفس الوقت.
7- المناهج المدرسية التي تعوق الانفتاح على الآخر وقبول أكثر من وجه للحـــقيقة والتي تمتلئ بدلا من ذلك بمعلومات مبتورة تشجع على التفكير الأحادي وملء الفراغات بالخرافات واحتقار العلم والمعرفة .
8- ضعف الرقابة الحكومية على التعليم سمح بالغش الجماعي وتسريب الامتحانات خاصــــــة فى المدارس الخاصة حيث نسب النجاح بها هي دائما 100% والمجاميع بها مرتفعه مما يثير حالــة من الإحباط لدى الطلاب والمعلمين فى المدارس الحكومية خاصة فى الأحياء الفقيرة .
9- الضعف الشديد فى مستوى الخدمة التعليمية.

نتج عن هذه الأسباب وجود دفعات كاملة من المتعلمين مؤمنين بمجموعة من القيم التي تعزز أحادية التفكير ووهم امتلاك الحقيقة واحتقار العلم فى مقابل تمجيد الغيب والخرافة وقيم الطفيلية كذلك نتج عن ذلك نوعيه من الخريجين يفتقدون الكفاءة المطلوبة والقدرة على التكيف مع سوق العمل فكان هؤلاء هم العصب الاساسى لجماعات العنف الديني وشكلوا القيادات الأساسية لهذه الجماعات والذين ينتمون غالباً للشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة .
كذا فان العقاب البدني منتشر جدا بالمدارس ورغم العقاب الشديد الذي توقعه الوزارة علي المدرسين الذين يلجأون إلي العقاب البدني داخل المدارس فإن بيئة المزاحمة وقلة الفرص المتاحة وسوء عملية التعليم والتعلم يغذي العنف ويزيد من معدلاته .
كما إن ارتفاع معدلات التسرب من التعليم وإلقاء الأطفال إلى القطاع غير الرسمي في سوق العمل وتحديدا إلى الأعمال المنحطة يجعلهم عرضه دائماً لشتي أنواع العنف فبالإضافة إلى مطاردات الشرطة الدائمة لهم والتعود على معاملتهم بدرجات شديدة من العنف تصل إلى حد التعذيب بل والتعذيب الذي يؤدي إلى الموت وصفحات الجرائد مليئة بالأمثلة الدالة على ذلك.
أخيرا فانه رغم نجاح الدولة في التصدي بعنف شديد لموجات العنف الديني والطائفي خلال فترة التسعينات، إلا إن المناخ السائد بالمدارس وكذلك مجمل الانتهاكات التي تتعرض لها العملية التعليمية يتسببان في إشاعة مناخ من العنف تغذيه حالة الاستبداد والعنف الرسمي وغياب الحريات الأساسية الذي يجعل الغضب من الانتهاكات الشديدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية يتجه نحو الأقل والأضعف
من الشرائح الاجتماعية مما يشيع حالة من إعادة إنتاج العنف تتغذي بشكل أساسي على الإحباط الناتج من ضعف مردودات التعليم في الواقع.

المقترحات :-
أ/ مقترحات قابله للتنفيذ فورآ:-
1- أعادة النظرفى المحتوى الدراسي خاصه فى مناهج العلوم الآنسانيه (اللغات ، الدراسات الآجتماعية المواد الفلسفيه ،....الخ )وحذف كل ما يعيق قيم التسامح وأحترام الاختلاف
2- أعادة النظر فى القوانين الخاصه بالتعليم وتعديلها بما يوازن بين الحقوق والواجبات ويقضى على كافة أشكال التميز
3- تدريب المعلمين على قيم المواطنه

ب /المقترحات على المدى الطويل :-
1- تنفيذ توجيهات لجنه التعليم قبل الجامعى فيما يتعلق بالبنيه الآساسيه للتعليم
2- تحفيز الأنشطه الداعمه لقيم المواطنه داخل المدارس (المشروعات التعاونيه بين الطلاب –تشجيع نقل الخبرات بين الطلاب المسلمين والاقباط )



المواطنة والعدالة الاجتماعية في ظل عالم متغير

إعداد
نجوان إسماعيل
المدير التنفيذي
جمعية العروبة لحقوق الإنسان
مقدمة :

لقد شهد عقد التسعينيات جملة من التغيرات السياسية والاقتصادية – فرضتها التحولات الإقليمية والدولية – وذلك عندما بدأ التحول نحو اقتصاديات السوق وتراجع دور الدولة وبروز القطاع الأهلي كفاعل جديد ، والذي عرف بالقطاع الثالث إلى جانب الحكومة والقطاع الخاص ، وبعد أن كان كانت مفاهيم الرعاية الاجتماعية والعمل الخيري من أهم منطلقات هذا القطاع ، طرحت مفاهيم جديدة مثل التنمية والمشاركة الشعبية والتمكين والسعي للتأثير على صانعي القرار السياسي ، وأيضا ً الاهتمام بمفاهيم كادت أن تندثر مثل المواطنة وهي موضوع ورقتنا البحثية والتي نحاول فيها الوصول إلى تحديد مفهوم عام له ، ودور منظمات المجتمع المدني في نشر ثقافة المواطنة وحقوقها .

فالمواطنة بمفهومها العام هي طبيعة العلاقة العضوية التي تربط بين الفرد والوطن وما تفرضه هذه العلاقة أو الجنسية من حقوق وما يترتب عليها من واجبات تنص عليها القوانين والأعراف وتتحقق بها مقاصد حياة مشتركة يتقاسم خيراتها الجميع .
ومفهوم المواطنة يتسع للعديد من المفاهيم والتعريفات ، فالمواطنة في اللغة هي مأخوذة ، من الوطن وهو محل الإقامة والحماية ، ومن حيث مفهومها السياسي ، فالمواطنة هي ( صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه إنتماءه إلى الوطن ) وفي علم الإجتماع تعرف بأنها مكانة أو علاقة إجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي (دولة ) ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف (المواطن) الولاء ، ويتولى الطرف الثاني الحماية ، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق أنظمة الحكم القائمة.
ومن المنظور النفسي فالمواطنة هي الشعور بالإنتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية الذات من الأخطار المصيرية ( وبذلك فالمواطنة تشير إلى العلاقة مع الأرض والبلد ) ،
ويرى العديد من الباحثين أن المواطنة ترتبط وتتمثل في علاقة الحاكم بالسكان من حيث تبادل الحقوق والواجبات بناء على الرابطة الوطنية ( الحقوق والواجبات ) أو هي مفهوم حديث شكلت على أساسه الدولة الحديثة ، ويفترض هذا المفهوم أن المجتمع مكون من أفراد مستقلين وأحرار والدولة هي التعبير عن الإرادة العامة لهؤلاء المواطنين الأحرار والمستقلين غير الخاضعين لولاءات أخرى بصفتهم أفرادا ً ... ..
· قضية المواطنة والجدل السياسي في المجتمع المصري :-

شكلت مجمل التغيرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي شهدتها مصر منذ منتصف السبعينات في جوهرها التحول نحو إقتصاد السوق وفك هيمنة الدولة على الحياة الإقتصادية ، وإتاحة الفرصة لنمو وسيطرة القطاع الخاص ، ودعم الإرتباط بالمعسكر الرأسمالي ، وكان من أبرز التغيرات المصاحبة لهذه التحولات ، والمؤثرة بشكل مباشر على قضية المواطنة ، ووضعها على جدول أعمال العمل الوطني والجدل السياسي العام منذ منتصف السبعينات :-

1. الإنسحاب التدريجي للدولة من مجال الخدمات الأساسية خاصة في مجال الصحة والتعليم والرعاية الإجتماعية ، وضمان حقوق العمل والتوظيف ، هذه الخدمات التي كانت الدولة تضمنها كجزء من الحقوق الإجتماعية والإقتصادية للمواطن ، والتي إستطاعت في مقابلها – ومنذ العهد الناصري – أن تقايض بها على حقوقه المدنية والسياسية ، وعلى إمتداد تطور عملية إنسحاب الدولة من تقديم هذه الخدمات أصبح الملايين من المصريين في العراء ، ودون أى غطاء حمائي حقيقي لحقوقهم الإقتصادية والإجتماعية ، خاصة مع تأميم عمل ونشاط المنظمات النقابية ذات المهام الدفاعية عن حقوق هذه الفئات ، سواء عبر وضعها تحت الإشراف والسيطرة الحكومية الكاملة أو وضع قوانين تصادر عمليا ً حركتها الحرة وهو ما دعمه وجود البلاد تحت حكم قوانين الطوارئ التي تقيد وتجرم أشكال الإحتجاج الجماعي .
2. رغم عودة التعددية السياسية في عام 1976 م بعد مصادرتها بشكل كامل منذ قيام سلطة يوليو في عام 1952 م ، وحيث عانت مصر طوال تلك الفترة من غياب مشاركة المواطنين السياسية في صنع وإتخاذ القرار ، في ظل نظام سلطوي غيب في الواقع الإرادة السياسية للمواطنين على أساس أن القيادة السياسية أخذت تفويضا ً شعبيا ً غير مكتوب للحديث بإسم الجماهير ولتغيير البنية الإقتصادية والإجتماعية لمصلحتها ، وهو ما إرتبط بشكل عمدي ولتأكيد النزعة الشمولية للنظام السياسي بحجب الشرعية الساسية والقانونية عن كل التيارات السياسية المخالفة ( ليبرالية / إسلامية / يسارية ) ، ولم تشكل عودة التعددية في عام 1976 نقلة كيفية في هذا المجال في ظل ما يطلق عليه التعددية المقيدة التي مازالت تضع العديد من التيارات السياسية الفاعلة وذات التواجد الجماهيري خارج نطاق الشرعية القانونية ، وحتى الأحزاب التي تم الترخيص لها فهي تعاني من قيود شديدة في إمكانية تحركها خارج مقراتها الحزبية ، ومن تدخلات تصل لمرحلة التجميد والحل .
3. شهدت مصر ومنذ أوائل السبعينيات في إطار التحولات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية التي شهدتها تلك الحقبة بداية عودة وصعود تيارات الإسلام السياسي بإتجاهاته المختلفة ، نتيجة تزايد لجوء النظام السياسي لتوظيف الدين في محاولة دعم شرعيته السياسية في صراعه مع قوى اليسار والناصرية ، وهي العملية التي بدأت بإعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع ، والبدء في حوارات شارك فيها رئيس الجمهورية بشخصه مع قيادات الإخوان ، ووصلت إلى حد تقديم الدعم لجماعات الإسلام السياسي في الجامعة ، وانتهت بإحتدام الصراع بين الدولة وجماعات الإسلام السياسي التي أصبحت منافسا ً له ثقله ينفي الشرعية الدينية عن النظام ويحتكرها لنفسه ، وهو ما دفع النظام السياسي إلى المزايدة على شعارات الحركة الإسلامية التي وصل الصراع مع بعض فصائلها إلى مستوى الصراع المسلح .
4. لم يقتصر الأثر السلبي لصعود تيارات الإسلام السياسي ولجوء النظام السياسي للمزايدة الدينية عليها على تصاعد حدة الإحتقان الطائفي ، ولكن برز معها مشكلة أخرى مرتبطة بحرية التفكير والإبداع ، حيث لجأت تيارات الإسلام السياسي إلى فرض نوع من السطوة الفكرية والثقافية على المجتمع عبر مطاردة الأفكار والأعمال الإبداعية وإتهامها بخروجها على المبادئ الدينية ، بل وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وبالتالي الكفر في بعض الأحيان .
5. ومن ناحية أخرى نجد إنه على الرغم من تمتع المرأة المصرية بكثير من الحقوق المدنية والسياسية ، إلا أنه لا يمكن القول بأنها حصلت على حقوق المساواة الكاملة مع الرجل ، خاصة ما يتعلق بحقوقها السياسية والمدنية ، وهي الوضعية التي يضاعف من أثارها السلبية الثقافة السائدة والتي تضرب بجذورها في التاريخ الإجتماعي المصري ، والتي ما زالت تهمش المرأة وتضعها في مرتبة تالية للرجل ، وهو ما انعكس بشكل عام وسلبي على مجمل أوضاع النساء المصريات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية ، خاصة في الريف ، ونساء المناطق الفقيرة في الحضر ، ودفع بالمشكلات النوعية للمرأة بالظهور وبقوة على ساحة الجدل أو الحوار المجتمعي ، وهو ما ساعد على :
· تصاعد الخطاب الإسلامي المحافظ ، الذي يرى أن المرأة يجب أن تأتي في مرتبة أدنى من الرجل أو تالية له ، والمطالبة بعودة المرأة للمنزل ، والتعامل معها بصفتها مصدراً للفتنة والشرور يجب فرض مزيد من القيود على ملابسها وتحركاتها وسلوكياتها .
· الهجمة التي نالت كثيرا ً من الحقوق الإجتماعية خاصة في قوانين العمل الجديدة ، والتي شكلت في بعض بنودها تراجعا ً واضحا ً عن كثير من المكتسبات الإجتماعية التي حصلت عليها المرأة .
· تصاعد التحركات العالمية المنادية بحقوق المرأة ، وإنتقال صداها بقوة في مصر تحت تأثير التطور الهائل في وسائل الإتصال من جهة ، وإهتمام العديد من المنظمات الدولية بدعم الجهود الرامية لإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة ، ودعم الأنشطة الهادفة لذات الغرض .
6. شكل الصراع الدامي بين النظام السياسي وتيارات العنف الإسلامي طوال حقبة التسعينيات ملمحا ً آخر ألقى بظلاله الكئيبة على قضية حقوق المواطن في ظل تصاعد وتيرة العنف التي راح ضحيتها الكثير من الأبرياء ، ومع إستمرار العمل بقانون الطوارئ ولجوء الدولة للحلول الأمنية كأداة رئيسية في محاولتها لتكسير بنية منظمات العنف الإسلامي أتسع نطاق حملات الإشتباه والإعتقال والإحالة للمحاكمات العسكرية ، وهي الحملات التي صاحبها العديد من الإنتهاكات وعمليات التعذيب واسعة النطاق وإنتهاك لحرمات الجسد في أبشع صورها ، والتي لم تخلف فقط مئات السنين بأحكام السجن أو العشرات من حالات الإعدام التي طالت المئات من أعضاء منظمات العنف الإسلامي ، والتي إنتهك فيها حقهم كمواطنين في التقاضي أمام قاضيهم الطبيعي بإحالتهم إلى المحاكم العسكرية ، ولكنها خلفت أيضا ً آلاف المعتقلين الذين لم ولن تتم إحالتهم للمحاكمة والذين تجاوزت سنوات إعتقال المئات منهم السبع والثماني سنوات ، والذين حصلوا على أحكام من المحاكم المختصة بإنهاء سنوات إعتقالهم ولكن قامت وزارة الداخلية بالإلتفاف حولها بإصدار أوامر إعتقال جديدة لهم دون الإفراج عنهم ، ناهيك عن الأوضاع البائسة التي يحيا في ظلها هؤلاء المعتقلون والتي أودت بحياة الكثير منهم داخل السجون أو أصابتهم بعشرات الأمراض المزمنة التي حولت الكثير من هذا الشباب المعتقل إلى مقعدين ومعاقين .

· منظمات المجتمع المدني وحقوق المواطنة :-

هناك العديد من منظمات المجتمع المدني قد أبدت إهتماما ً واضحا ً بحقوق المواطنة على تعددها ، فسوف نلاحظ تباين مجالات هذه الإهتمامات بين منظمة وأخرى .
والمنظمات التي تعمل حاليا ً هي في أساسها منظمات ذات طابع دفاعي ، ولا تعمل بشكل مباشر في مجال التنمية أو الرعاية الإجتماعية ، لذلك فهي تمثل الجيل الثالث من المنظمات الأهلية في المجتمع المصري والذي يرجع ظهورها إلى عام 1821 م عندما تأسست الجمعية اليونانية بالأسكندرية ، حيث أرتبط ظهور هذا الجيل من المنظمات بالعديد من العوامل لعل أهمها –
· مساحة الحرية المحدودة التي أتاحها الإنتقال لنظام التعددية السياسية المقيدة ، والتحول لإقتصاديات السوق .
· القيود الشديدة التي عانت منها الحياة الحزبية ، خاصة ما يتعلق بتأسيس الأحزاب .
· تزايد التيار الدولي الداعم لحقوق الإنسان والديمقراطية خاصة مع سقوط دول المنظومة الإشتراكية .
· تصاعد دور ونفوذ التيار الإسلامي الذي فرض على ساحة الجدل السياسي قضايا شديدة الإرتباط بحقوق المواطن مثل حقوق الأقباط ، ووضع المرأة ، وحرية التفكير والإبداع .
· تصاعد الصدام بين الدولة والحركة الإسلامية لحد الإقتتال المسلح ، وبروز اليد الخشنة للدولة مع تفضيلها للحلول الأمنية .


· تنوعت الوسائل والأدوات التي تستخدمتها هذه المنظمات في تعاملها الدفاعي عن حقوق المواطنة وهي الأدوات التي إشتملت على :-

1. إصدار صحف أو مجلات غير دورية :-

وهي نشرات ومجلات وجرائد لا تركز فقط على نشاط المنظمة بمقدار تركيزها على القضايا التي تدافع عنها ، لدعم خطاب المنظمة الداعي للدفاع عن حق من حقوق المواطنة.

2. إصدار التقارير السنوية :-

وهي التقارير التي تعد بمثابة مرصد يوثق لإنتهاكات حقوق المواطنة التي تركز عليها هذه المنظمات .
وتعد التقارير السنوية التي تصدر عن تلك المنظمات من أهم أدواتها في رصد ومتابعة الإنتهاكات المرتبطة بحقوق المواطنة من خلال :- متابعة تطور التشريعات خاصة المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية .
· رصد وتسجيل الإنتهاكات الموجهة للمواطنين .
· توثيق ردود الأفعال أو أشكال الرد والمواجهة على هذه الإنتهاكات ( سواء كانت فردية أو جماعية ) .

3. البيانات أو البلاغات الصحفية :-

إرتبط إصدار البيانات أو البلاغات الصحفية في الغالب الأعم بالأحداث الجارية ، وبوقائع الإنتهاكات الضخمة ، أو التي تمس قطاعات واسعة من المواطنين ، خاصة الإنتهاكات ذات الطابع المتكرر .

4. تنظيم المؤتمرات والندوات وورش العمل :-

كانت المؤتمرات والندوات من أكثر أدوات هذه المنظمات إستخداماً ، خاصة أنها تتيح للنخبة الثقافية – التي تهتم بالعمل العام – فرصة التعبير الواسع عن رأيها ، أو إظهار تضامنها ..




5. إصدار المطبوعات الدعائية للتوعية :-
تعددت أشكال تلك المطبوعات من كروت ومطويات شارحة تتناول بشكل مختصر بعض الحقوق وكتالوجات لرسوم الكاريكاتير ، وكراسات صغيرة مزودة بالرسوم ، والتي كانت توزع ، على نطاق واسع كجزء من جهود التوعية العامة بالحقوق المدنية والسياسية للمواطن ، أو إحدى أدوات حملة متخصصة تركز على إنتهاك محدد لحقوق المواطنة .

6. إصدار الكتب و الدراسات و التقارير المتخصصة:-

كانت هذه الأداة هي الأخري من الأدوات البارزة التي لجأت إليها منظمات المجتمع المدني لإدارة حوار على الأقل بين النخبة الثقافية حول مشكلات المواطنة ، أو لدعم توجهات ورؤى المنظمة في هذا المجال ، وقد صدرت في هذا المجال العشرات من الكتب والتقارير التي غطت في الغالب معظم الجوانب المرتبطة بحقوق المواطنة سواء كيف تناولتها المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية أو رصد ومناقشة طبيعة الإنتهاكات لهذه الحقوق في المجتمع المصري ونقدها ومتابعة جذورها ، وأسبابها الثقافية والسياسية والقانونية والإقتصادية ، نهاية بوضع تصورات أو إجتهادات لتجاوز هذه الوضعية .





7. المساعدة القانونية :-

وتعد أشكال المساعدة القانونية المختلفة هي الأداة الأساسية لدى منظمات المجتمع المدني ، والتي تسمح لها بالخروج بأنشطتها خارج حيز النخبة المثقفة الضيق . وقد تنوعت المساعدات القانونية التي تقدمها العديد من المنظمات السابقة فيما يخص الإنتهاكات المتعددة لحقوق المواطنة لعل أبرز أشكالها :-

· إرسال المناشدات للجهات المسئولة خاصة في وزارة الداخلية ، أو وزارة العدل ، أو وزارة الخارجية ، والنائب العام بطلب التحقيق في أحد الإنتهاكات ، أو تنفيذ أحكام القضاء .
· تقديم الإستشارات القانونية لمن تعرضوا لإنتهاك أحد حقوقهم أو في قضايا الأحوال الشخصية .
· حضور المحاكمات ومراقبتها ، والتحقيقات والتضامن مع من إنتهكت حقوقهم خاصة في مجال حرية التفكير والتعبير عن الرأي .
· رفع الدعاوى القضائية لإنتزاع ، أو لحماية أحد الحقوق .

8. بناء الشبكات والتحالفات :-

رغم القدرة الأكبر للشبكات والتحالفات بين منظمات المجتمع المدني على ممارسة درجة أعلى من الضغط والتأثير بإتجاه حماية حقوق المواطنة ، إلا أن تلك الأداة مازالت تشكل نقطة ضعف فاضحة في عمل المنظمات ، حيث لم تتجاوز أعمال التنسيق في معظم الأحيان إصدار البيانات المشتركة ، أو تنظيم ندوة ، أوإصدار كتاب ، أو الإتفاق في موقف تضامني عابر ، وهناك عشرات التجارب والمحاولات لعل أبرزها محاولة بناء تحالف من منظمات المجتمع المدني يقود حملة واسعة من أجل قانون أكثر ديمقراطية للعمل الأهلي ، وهو التحالف الذي إنكسر تحت حدة الخلافات بين هذه المنظمات ، ولم تستطع أى من هذه المحاولات أن تخوض حملة حقيقية وناجحة لوقف إنتهاك أو حماية حق ، فمنذ ظهوره ونشاط هذه المؤسسات أعلن عن تأسيس العديد من التجمعات واللجان القومية والوطنية والجبهات التي لم يتجاوز وجودها الفعلي بيان تأسيسها .

9. المشروعات الميدانية :-

وهي في أغلبها مشروعات تدور حول :-
· تنفيذ حملات للقيد الإنتخابي .
· برامج التدريب والتوعية بحقوق المواطنة : والتي إستهدفت بشكل خاص نشطاء المجتمع المدني في جمعيات التنمية المحلية ( أو منظمات حقوق الإنسان ) بهدف نشر ثقافة المواطنة ، وهي البرامج التي كانت قاسما ً مشتركا ً بين معظم المنظمات.
· الحملات الخاصة بإستخراج البطاقات الشخصية للنساء / خاصة المناطق الفقيرة .
· برامج التدريب على مهارات فنية تستهدف فئات محددة مثل برامج تدريب المحامين على التعامل مع قضايا إنتهاك الحقوق الأساسية ( والتي ينظمها مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان ) .
· معسكرات التربية المدنية الموجهة للفتيان .
الخاتمة :-

أتسم بروز المنظمات الأهلية ذات الصبغة السياسية وأهمها منظمات حقوق الإنسان بمناخ من عدم الثقة والتردد في التعامل معها من قبل حكوماتها ، حتى أنه تقع صدامات بين الأخيرة ومنظمات حقوق الإنسان من حين لآخر .
وبرغم ذلك ، فقد نجحت المنظمات الحقوقية العربية في وضع قضايا حقوق الإنسان على أجندة أعمال الحكومات ، وكذلك الرأي العام .
أصبح مفهومي الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوقت الحالي من المفردات الأساسية من ركائز الإصلاح السياسي والذي يعد بدوره المدخل الرئيسي لأي إصلاح آخر .
إن الديمقراطية مسار طويل الأمد ، إستغرق مئات السنين حتى تطور ووصل إلى ما هو عليه اليوم . وحتى الأن فإنه نجد تمايز كبير بين تطبيق الديمقراطية في أوروبا مثلا ً وبين تطبيق الديمقراطية في أمريكا .
ومن الملفت أن تطور الديمقراطية يتلازم مع تطور مستوى الثقافة والعلم والمعيشة .
لذلك ، إذا أردنا أن نرى الديمقراطية فلابد من أن المواطنة ترسخ في ذهن الشعب ، الذي يستوجب ، مكافحة شتى أنواع الجهل والفقر .

قراءة في مفهوم المواطنة المصرية

ورقة مقدمة من
أ / محمد محيى
رئيس مجلس إدارة جمعية التنمية الإنسانية

نشأت فكرة المواطنة بديلاً عن كل أشكال التحيز والتحزّب، سواء كان تحزّباً لدين أو لطائفة أو لعادة أو لجميع أشكال العنصرية والتعصّب. ويتداخل عنصر المساواة كجزء عضوي في المواطنة يجسد معناها ويحقّق مناطها. رابطة ترابية بحدود جغرافية، تساوي في الحقوق والواجبات بين الأفراد دون تمييز

* كتعريف:
هي مجموعة الأسس والقواعد التي تكفل المشاركة في الحياة العامة،وهي أيضاً تعبير عن هوية مشتركة عنصرها الأساسي الجنسية التي تصل شخص ما ببلد ما..كما أنها رباط مشترك مع الجماعة والانتماء لهم..
وتعرّف المواطنة من الناحية القانونية بأنها:
( اكتساب جنسية ما والتمتع بكامل حقوقها المدنية والسياسية).
ويعرّف المواطن:
(على أنه الشخص الذي يحمل جنسية بلد ما والتي تخوله التمتع بحقوقٍ مدنية وسياسية مؤدياً واجبات لازمة عليه تجاه المجتمع والدولة(
ولعل المواطنه من المفاهيم التى كانت ومازالت تثير لغطا وخلطا بين القوى والتيارات السياسيه والفكريه فى مصر يتفقون جميعا حول اهمية تفعيل المواطنه ويختلفون جميعا حول ماهية هذه المواطنه.
الكل يتحدث عن قصور المجتمع فى ممارسة سلوك المواطنه وتقبلها كمعنى ومفهوم وجعلها جزئا من التكوين والنسيج الوطنى , ولعل جهود المجتمع المدنى والاصلاحيون ونظرتهم للمواطنه على انها من القضايا الرئيسيه التى يجب الا تدار مناقشة عن الاصلاح والتحول الديمقراطى الا وكانت قضية المواطنة من المحاور الرئيسيه فيه هى التى جعلت كل القوى السياسيه فى مصر تدلى بدلوها فى قضية المواطنه بل وتبنيها لها ووضعها على اجندتها ووصل الامر لذروته عندما جاء التعديل الدستورى الاخير ليؤكد على ان الدوله المصريه قائمه على مبدأالمواطنه , وسنستعرض معا الاساس الدستورى للمواطنه ومن ثم الرؤى المختلفه حول المواطنه فى مصر وذلك من منظور الحزب الوطنى وحركة كفايه والاسلاميين.

اولا الاساس الدستورى للمواطنه:
تم ذكر مفهوم المواطنة باشكاله المختلفة ومفاهيمه بنصوص الدستور والقانون المصري ومن ذلك على سبيل المثال وليس الحصر :

مادة 40: المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.
مادة 46: تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
مادة 47: لكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من الوسائل.
مادة 49: تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لذلك.
مادة 50: لا يجوز أن تحظر على أي مواطن الإقامة في جهة معينة أو الإقامة في مكان معين إلا في الأحوال المبينة في القانون.
مادة 54: للمواطنين الاجتماع الخاص في هدوء غير حاملين سلاحا ودون حاجة إلى إخطار سابق، ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة، والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة في حدود القانون.
مادة 55: للمواطنين حق تكوين الجمعيات، ويحظر إنشاء جمعيات يكون نشاطها معاديا لنظام المجتمع أو سريا أو ذا طابع عسكري.
مادة 56: إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي حق يكفله القانون.
مادة 58: الدفاع عن الوطن وأرضه واجب مقدس، والتجنيد إجباري وفقا للقانون.
مادة 61: أداء الضرائب والتكاليف العامة واجب وفقا للقانون.
مادة 62: للمواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاءات ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني.
مادة 62: لكل فرد حق مخاطبة السلطات العامة كتابة وبتوقيعه.
مادة 68: التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي

الرؤي المختلفة لمفهوم المواطنة

اولا : نظرة الحزب الوطنى للمواطنه (هي أساس بناء مؤسسات الدولة المصرية الحديثة)‏.‏
فمن الناحية النظرية يشير مفهوم المواطنة إلي ثلاثة جوانب‏.‏ فهو أولا‏,‏ يتضمن علاقة قانونية هي علاقة الجنسية‏.‏ وهي علاقة بين الفرد والدولة بمقتضاها تسبغ الدولة جنسيتها علي عدد من الأفراد وفقا للقوانين المنظمة ذلك‏.‏ وهو ثانيا‏,‏ يشير إلي علاقة سياسية تشمل مجموعة من الحقوق والحريات والواجبات‏.‏ فالمواطنون وحدهم هم الذين من حقهم الاستفادة من الخدمات الاقتصادية والاجتماعية التي تقدمها هيئات الدولة‏,‏ وهم وحدهم الذين يحق لهم ممارسة الحقوق السياسية كالانتخاب والترشيح وتكوين الأحزاب‏,‏ وهم وحدهم أيضا الذين عليهم واجب أداء الخدمة العسكرية‏.‏ ومؤدي ذلك أن مفهوم المواطنة يرتبط ارتباطا وثيقا بمشاركة المواطن في الحياة العامة‏.‏ ثم هو ثالثا‏,‏ علاقة معنوية وعاطفية ترتبط بحب الوطن والولاء لمعطياته ورموزه من لغة وتاريخ وثقافة وغير ذلك من رموز الهوية والانتماء‏.‏
وبالنسبة لأغلب الناس‏,‏ فإن الجوانب الثلاثة للمواطنة تتطابق مع بعضها البعض‏.‏ أي أن أغلبية مواطني دولة ما يعيشون علي أرضها‏,‏ ويشاركون في أنشطة مؤسساتها السياسية والاجتماعية‏,‏ ويرتبطون معنويا برموزها‏.‏ ولكن ترد استثناءات علي ذلك مثل الأشخاص الذين يحملون جنسية اكثر من دولة ويمكنهم ممارسة حقوق المواطنة في الدولتين وفقا للقوانين المنظمة لذلك‏.‏ من ناحية أخري‏,‏ قد ترد قيود علي ممارسة بعض حقوق المواطنة كحق الترشح للبرلمان ومثال ذلك الحكم الصادر في مصر بمنع مزدوجي الجنسية من الترشيح لمجلس الشعب أو بمنع من لم يؤد الخدمة العسكرية من هذا الحق‏.‏
هذه المفاهيم‏,‏ في جملتها‏,‏ ارتبطت بظهور الدولة الوطنية الحديثة وتبلور العلاقة بين المواطن والدولة علي نحو غير مسبوق في التاريخ‏.‏ فالمواطنة تشير في معناها القانوني إلي أحد أركان الدولة الحديثة وهو‏'‏ الشعب‏'‏ الذي يتكون من مجموعة الأفراد الذين تمارس مؤسسات الدولة ولايتهم عليها ويخضعون لقوانينها‏.‏ ومن ثم‏,‏ فإن حدود الجماعة السياسية المصرية تتماثل مع حدود المواطنة المصرية‏,‏ ويشارك فيها المصريون دون سواهم‏.‏
وبنفس المنطق‏,‏ فإن المواطنة تمثل رباطا سياسيا بين المواطن والدولة يكون من شأنه ترتيب مجموعة من الحقوق والواجبات العامة لعل أهمها انفراد المواطنين بالحق في اختيار حكامهم من خلال انتخابات دورية حرة ونزيهة‏,‏ وأن يكون لهم دورهم في الرقابة علي سلوك الحكام من خلال مؤسسات تمثيلية منتخبة‏,‏ وكذا من خلال الرأي العام وهيئات المجتمع المدني‏.‏
ومن هنا نشأ الارتباط الوثيق بين مبدأ المواطنة وفكرة تكافؤ الفرص والحقوق المتساوية من ناحية‏,‏ وكذلك ارتباط هذا المبدأ بالنظام الديمقراطي من ناحية أخري‏.‏ فلا مواطنة بدون مساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن الدين والمذهب والنوع والأصل‏,‏ وهذا هو جوهر المادة‏40‏ من دستورنا الحالي‏.‏ ويكون من تبعات المواطنة الحقة التأكد من تمتع جميع المواطنين بهذه الحقوق وبحث المعوقات التي يمكن أن تؤدي إلي عدم تحقق ذلك بالنسبة لمجموعة أو أخري منهم‏.‏ )
ثانيا مفهوم حركه كفايه عن المواطنه بينما يرى الاصلاحيون ان تحدث النظام عن المواطنه هو من قبيل الاستهلاك وان المواطنه ممارسه قبل ان تكون مفهوما .
( يقصد بالمواطنة العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وهو ما يعني أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية بدون أدنى تمييز قائم على أي معايير تحكمية مثل الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي والموقف الفكري، ويرتب التمتع بالمواطنة سلسلة من الحقوق والواجبات ترتكز على أربع قيم محورية هي:
أولا- قيمة المساواة:
التي تنعكس في العديد من الحقوق مثل حق التعليم، والعمل، والجنسية، والمعاملة المتساوية أمام القانون والقضاء، واللجوء إلى الأساليب والأدوات القانونية لمواجهة موظفي الحكومة بما في هذا اللجوء إلى القضاء، والمعرفة والإلمام بتاريخ الوطن ومشاكله، والحصول على المعلومات التي تساعد على هذا.
ثانيا- قيمة الحرية:
التي تنعكس في العديد من الحقوق مثل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية التنقل داخل الوطن، وحق الحديث والمناقشة بحرية مع الآخرين حول مشكلات المجتمع ومستقبله، وحرية تأييد أو الاحتجاج على قضية أو موقف أو سياسة ما، حتى لو كان هذا الاحتجاج موجها ضد الحكومة، وحرية المشاركة في المؤتمرات أو اللقاءات ذات الطابع الاجتماعي أو السياسي.
ثالثا- قيمة المشاركة:
التي تتضمن العديد من الحقوق مثل الحق في تنظيم حملات الضغط السلمي على الحكومة أو بعض المسئولين لتغير سياستها أو برامجها أو بعض قراراتها، وممارسة كل أشكال الاحتجاج السلمي المنظم مثل التظاهر والإضراب كما ينظمها القانون، والتصويت في الانتخابات العامة بكافة أشكالها، وتأسيس أو الاشتراك في الأحزاب السياسية أو الجمعيات أو أي تنظيمات أخرى تعمل لخدمة المجتمع أو لخدمة بعض أفراده، والترشيح في الانتخابات العامة بكافة أشكالها.
رابعا - المسئولية الاجتماعية:
التي تتضمن العديد من الواجبات مثل واجب دفع الضرائب، وتأدية الخدمة العسكرية للوطن، واحترام القانون، واحترام حرية وخصوصية الآخرين

ومن المهم هنا التأكيد على أن المواطنة ليست فقط مجموعة من النصوص والمواد القانونية التي تثبت مجموعة من الحقوق لأعضاء جماعة معينة كما قد يعكسه دستور هذه الجماعة وقوانينها، بل يشترط أيضا وعي الإنسان داخل هذه الجماعة بأنه مواطن أصيل في بلاده وليس مجرد مقيم يخضع لنظام معين دون أن يشارك في صنع القرارات داخل هذا النظام، فالوعي بالمواطنة يعتبر نقطة البدء الأساسية في تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى بلاده وإلى شركائه في صفة المواطنة، وبالتالي فممارسة المواطنة كنشاط داخل المجتمع لا تتم بشكل عرضي أو مرحلي كما هو الحال بالنسبة للانتخابات بل هي عملية تتم بشكل منتظم ومتواصل وبطرق صغيرة وعديدة وبتفاصيل لا تعد، هي جزء من نسيج حياتنا اليومية، لهذا فالوعي بالمواطنة وممارستها يتطلب التربية على ثقافة المواطنة بكل ما تحمله من قيم وما تحتاجه من مهارات.
ثالثا : الاسلاميون بينما يرى الاسلاميون ان :
المواطنة الكاملة ـ والمساواة في الحقوق والواجبات ـ قد اقترنت بظهور الإسلام ، وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى ـ في المدينة المنورة سنة 1 هجريا وسنة 622 ميلادياـ على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتحت قيادته ..فالإنسان ـ في الرؤية الإسلامية ـ هو مطلق الإنسان ...والتكريم الإلهي هو لجميع بني أدم {ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء 70) والخطاب القرآني موجه ـ أساسا ـ إلى عموم الناس ..ومعايير التفاضل بين الناس هي "التقوى" ، المفتوحة أبوابها أمام الجميع {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات : 13) ـ بل لقد جعل الإسلام "الآخر الديني" جزءا من الذات وذلك عندما أعلن أن دين الله ـ على امتداد تاريخ النبوات و الرسالات ـ هو دين واحد ، وأن التنوع في الشرائع الدينية بين أمم الرسالات إنما هو تنوع في إطار وحدة هذا الدين {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً} (المائدة 48)
ولقد وضعت الدولة الإسلامية فلسفة المواطنة هذه في الممارسة والتطبيق ، وفندتها في المواثيق والعهود الدستورية منذ اللحظة الأولى لقيام هذه الدولة في السنة الأولى للهجرة ..ففي أول دستور لهذه الدولة أسس على التعددية الدينية ، وعلى المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين المتعددين في الدين والمتحدين في الأمة والمواطنة ..فنص هذا الدستور ـ صحيفة دولة المدينةـ على أن "اليهود أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأن لهم النصر والأسوة مع البر من أهل هذه الصحيفة .. ينفقون مع المواطنين ما داموا محاربين ..على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ..من بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم ...وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من إشتجار ويخاف فساده فمرجعه إلى الله وإلى رسول الله" ...هكذا تأسست المواطنة في ظل المرجعية الإسلامية منذ اللحظة الأولى لقيام دولة الإسلام
إن المواطنة: مفاعلة ـ أي تفاعل ـ بين الإنسان المواطن وبين الوطن الذي ينتمي إليه ويعيش فيه ..وهي علاقة تفاعل لأنها علاقة بين طرفين وعليها العديد من الحقوق والواجبات فلابد لقيام المواطنة أن يكون انتماء المواطن وولائه كاملين للوطن، يحترم هويته ويؤمن بها وينتمي إليها ويدافع عنها بكل ما في عناصر هذه الهوية من ثوابت اللغة والتاريخ والقيم والآداب العامة ، والأرض التي تمثل وعاء الهوية والمواطنين ..وولاء المواطن لوطنه يستلزم البراء من أعداء هذا الوطن طالما استمر هذا العداء .
وكما أن للوطن هذه الحقوق والتي هي واجبات وفرائض على المواطن ، فإن لهذا المواطن على وطنه ومجتمعه وشعبه وأمته حقوق كذلك من أهمها المساواة في تكافؤ الفرص وانتفاء التمييز في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية بسبب اللون أو الطبقة أو الاعتقاد ، مع تحقيق التكافل الاجتماعي الذي يجعل الأمة سدا واحدا والشعب كيانا مترابطا ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر أعضاء الجسد الواحد بالتكافل والتضامن والتساند والإنقاذ
والواقع بعد الاستعراض لهذه الاراء المختلفه ان
المواطنة" ذات بعد أشمل وأعمق من التعلق وجدانياً بحب الوطن،. فنقطة انطلاق المواطنة هي (المفاعلة والمشاركة) الناتجة عن حب الإنسان لوطنه بكل أطيافه واختلافاته الثقافية. وترتكز المواطنة بدايةً على الانتماء المدني-الحضاري للوطن/الدولة، فيخرج من ذلك التشرذم الناتج عن الانتماءات الفرعية (الأسرة-العشيرة- القبيلة- الطائفة) التي يفترض أن تبقى في فضائها الطبيعي، لكن خطورتها تكمن في طغيانها على الانتماء الوطني؛ لأن المواطنة ليست مجرد ولاء الشخص لوطن يحمل جنسيته، إنما هي تجسيد فعلي للوحدة الوطنية، من خلال رفض كل ما يهدد وحدة الوطن السياسية والثقافية، ونشر التسامح ونبذ جميع أنواع العنصرية، الدينية والمذهبية والعرقية، والعمل على تأسيس أرضية صلبة لـ"مجتمع مدني" حقيقي ينتمي له كل المواطنين برغبتهم، وتراعى فيه قوانين حقوق الإنسان وتسوده روح الشراكة الوطنية والعمل الاجتماعي المنظم.

المواطنة من المنظور الحقوقي و السياسي

إعداد
د/ هويدا عدلي
خبير أول
بمركز الدراسات و البحوث الاجتماعية و الجنائية
يعد مفهوم المواطنة احد المفاهيم الرئيسية فى الفكر الليبرالى منذ تبلوره فى القرن السابع عشر كنسق للأفكار والقيم تم تطبيقه فى الواقع الغربى. وهو يمثل الرابطة الأساسية بين الفرد والدولة. وفى الواقع أن مفهوم المواطنة فى الفكر الليبرالى لم يكن أبدا مفهوما جامدا بل شهد تغيرات وتحولات عديدة فى مضمونه واستخداماته فى الأدبيات الليبرالية بمدارسها المختلفة واتسع نطاقه من الدلالة السياسية القانونية إلى الدلالة المدنية الحقوقية ثم إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

المواطنة هى تمتع الشخص بحقوق وواجبات على قدم المساواة مع باقى شركائه فى الوطن وقدرته على ممارسة هذه الحقوق وهو ما يعرف بالدولة القومية الحديثة التى تستند إلى حكم القانون. وعلى هذا فمفهوم المواطنة يختلف عن مفهوم الرعية، ففى دولة المواطنة، جميع المواطنين متساوون فى الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم بسبب الاختلاف فى الدين أو النوع أو اللون أو العرق أو الموقع الاجتماعى. وبالتالى فمن المفترض أن يحقق القانون المساواة داخل المجتمعات. كما أن هذه المواطنة تعبر عن نفسها على ارض الواقع فى مشاركة المواطنين فى الشأن العام . وعلى صعيد أخر لاتكتمل المساواة القانونية والمشاركة السياسية إلا من خلال وضع اجتماعى اقتصادى يحقق للمواطن احتياجاته الأساسية. أذن نحن أمام مفهوم متعدد الأبعاد ولايمكن الاستغناء عن اى من أبعاده، بل انتهاك احد هذه الأبعاد يقوض من فكرة المواطنة ككل.
فى دراسة عن تطور المواطنة فى المجتمعات الليبرالية، يحدد مارشال ثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى تمثلت فى ترسيخ الحقوق القانونية فى القرن الثامن عشر ثم تبعتها الحقوق السياسية فى القرن التاسع عشر وبالأخص الحق فى الانتخاب. أما المرحلة الثالثة فقد برزت فى القرن العشرين وذلك من خلال التوسع فى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتى توجت بدولة الرفاهة الاجتماعية. وعلى هذا يمكن القول أن مفهوم المواطنة تطور فى الخبرة الأوربية وفقا لتسلسل زمني،بدأ فيه بالقانونى ثم السياسى ثم الاجتماعى، اى الحصول على المساواة القانونية وضمانات المحاكمة العادلة ثم الحق فى المشاركة السياسية، وأخيرا أخذ مفهوم المواطنة أبعادا اقتصادية واجتماعية. والأمر الجدير بالذكر أن هذا التطور الذى استغرق ما يقرب من ثلاثة قرون كان نتاج صراع اجتماعى وسياسى بين المواطنين من ناحية والسلطة الحاكمة من ناحية أخرى، وأيضا بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. كما أن هذا الصراع فى الواقع والذى اتسم بالعنف فى بداياته تهذب تدريجيا واتخذ شكلا سلميا لاعتبارات برجماتية فى المراحل المبكرة ثم شكلا ديمقراطيا لاعتبارات ايديولوجية فيما بعد. وعلى هذا يمكن القول أن الصراع من اجل المواطنة كان فى الحقيقة صراعا أيضا من اجل الديمقراطية. وكان هذا هو السياق الذى صدر فيه الإعلان العالمى لحقوق الانسان والذى نص فى مادته الأولى على الحرية (الديمقراطية) والمساواة (المواطنة) "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين فى الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء. وفى المادة الثانية ينص الاعلان على أن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة فى هذا الإعلان دونما تمييز من اى نوع، ولاسيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الراى السياسى وغير السياسى أو الأصل الوطنى أو الاجتماعى أو الثروة أو المولد أو اى وضع أخر.

وعلى هذا لابد من التأكيد أن هناك علاقة وثيقة بين الديمقراطية والمواطنة، فالديمقراطية هى نظرية ممارسة المواطنة، والمواطنة هى علاقة سياسية تعرف وتحدد معنى الديمقراطية، واى أزمة يتعرض لها أحد المفهومين تعتبر أزمة للآخر.

يشهد مفهوم المواطنة فى الخطاب الليبرالى الغربى المعاصر مراجعة واهتماما كبيرا وأبعاد جديدة فى ظل ما يحدث من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية فى العقود الثلاثة الأخيرة على مستوى الداخل والخارج فى المجتمعات الغربية. وكان على رأس هذه التحولات الرهان أو التحدى الذى أصبحت تمثله ظاهرة التعددية الثقافية فى تلك المجتمعات. مما يشير إلى أن مفهوم المواطنة ليس مفهوما جامدا أو استاتيكيا ولكن ديناميكيا ومتغير وفقا للتطورات والمستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تظهر فى المجتمعات المختلفة.

اختلفت مسيرة المواطنة فى الخبرة المصرية عن الخبرة الأوربية، فلم تمض فى اتجاه تصاعدى كما حدث فى الخبرة الاوربية، بل كانت تتقدم أحيانا فى ظروف تاريخية معينة ثم تعود وتتقهقر مرة أخرى. يحدث التقدم عندما تظهر حركة سياسية تتبنى خطاب المواطنة وتسعى لنشره بين الجماهير، وتتراجع عندما يظهر خطاب مناقض. وهذا هو أحد الاسباب الرئيسية التى تجعل قضية المواطنة من القضايا الجدالية الكبرى فى المجتمع المصرى. وعلى هذا فإن تكريس فكرة المواطنة يحتاج إلى جهد دؤؤب من اجل تأصيل المفهوم وإرساء جذوره داخل المجتمع. وعلى صعيد أخر، فإن التعاطى مع مفهوم المواطنة سواء من قبل النخب الحاكمة أو حتى بعض جماعات المثقفين اتسم بالتجزئة، بمعنى التركيز على جانب واحد واعتباره هو جوهر المواطنة. ففى الخمسينيات والستينيات حدث إنجاز على المستوى القانونى والاقتصادى والاجتماعى مع تجاهل الجانب السياسى اى المشاركة الفعلية فى العمل السياسى، ثم جاءت السبعينيات لتطيح بالإنجاز الذى حدث على المستوى القانونى عندما تبنى السادات توجها إسلاميا فى محاولة لمناهضة التيارات الشيوعية والناصرية، ورغم برجماتية وماكيافلية المحاولة إلا إنها أسفرت فى نهاية الثمانينيات وما تلاها من عقود عن إحياء المشروع الاسلامى كمشروع مناهض للمشروع الوطنى اى فكرة الأمة الإسلامية كبديل لمفهوم المواطنة. وجاءت التسعينيات وما بعدها لتلقى بظلال كئيبة على فكرة المواطنة بكل أبعادها القانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ابسط معانى المواطنة هو أن تكون عضوا فى مجتمع سياسى معين ودولة بعينها، القانون يؤسس شرعية الدولة من ناحية ويخلق المساواة بين المواطنين من ناحية ثانية، ويرسى نظاما عاما من الحقوق والواجبات، تسرى على الجميع دون تفرقة من ناحية ثالثة. وعادة ما تكون رابطة الجنسية معيارا أساسيا فى تحديد من هو المواطن. يترتب على المواطنة القانونية أنماط من الحقوق والواجبات: السياسية والمدنية -الاقتصادية والاجتماعية. تشمل الحقوق السياسية الحق فى الانتخاب والترشيح والتنظيم. تنطوى الحقوق المدنية على كل الحريات الشخصية، والحق فى الأمان، والخصوصية والاجتماع والحصول على المعلومات، فضلا عن حرية الاعتقاد والتعبير. وفى قلب الحقوق المدنية تأتى حرية تشكيل تنظيمات مدنية وحرية الانتقال والحق فى محاكمة عادلة. أما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فتشمل الحق فى العمل والتعليم والسكن والملكية وغيرها.

المواطنة ليست معنى قانونى فحسب، ولكنها أيضا ممارسة وواقع. فلا معنى لحق قانونى منصوص عليه دون القدرة على ممارسة هذا الحق. من أساسيات المواطنة المشاركة فى الحياة العامة، وعادة ما يشار إلى ذلك بالمواطنة الفاعلة، وتشمل مجالات كثيرة مثل القدرة على الترشيح والتصويت فى الانتخابات بحرية، والحق فى انتخابات حرة ونزيهة وغيرها من الآليات الديمقراطية المؤسسية. ومن مضامين المواطنة أيضا حق كل مواطن فى الحصول على فرص متساوية ويتطلب ذلك توفير الخدمات العامة للمواطنين وبخاصة الفقراء والمهمشين وتمكينهم من النفاذ الى الخدمات الأساسية .

إن ما سبق يرتبط بقضية هامة وهى العضوية السياسية اى العضوية فى مجتمع سياسى معين، وهو مايعادل الانتماء الوطنى وليس مجرد الإقامة فيه. فقد يقيم المواطن فى وطنه ولايشعر بالانتماء نتيجة عدم حصوله على حقوقه أو بسبب ما يواجه من تمييز على ارض الواقع.

تشكل قضية المواطنة واحدة من ابرز القضايا على أجندة الجدل والحوار السيايى فى المجتمع المصرى وذلك لارتباطها الوثيق باى تحول ديمقراطى حقيقى. وإذا كان لايمكن ممارسة حقوق المواطنة بدون رسوخ ثقافة المواطنة فى الوعى الاجتماعى العام، فمن المؤكد أن عملية بناء الوعى العام بحقوق المواطنة يتطلب منظمات قوية وفاعلة وقادرة على نشر ثقافة المواطنة والديمقراطية ورصد اى انتهاكات لحقوق المواطنة. فالتحول الديمقراطى الحقيقى هو الارضية الأساسية التى تقوم عليها فكرة المواطنة. وطالما هناك قيود على هذا التحول، ستظل قضية المواطنة قائمة بدون حسم.

وأذا سعينا لتلمس بعض مؤشرات انتهاك المواطنة فى مصر، سنجد كم كبير من المؤشرات القانونية والسياسية والاقتصادية وغيرها. فعلى سبيل المثال، يحد الوضع الاقتصادى من حرية تمتع المواطن بحقوق المواطنة، ومن ثم قدرته على المشاركة فى الشأن العام. فلايتمتع الفقراء بحقوق المواطنة كاملة، والسبب فى ذلك يعود إلى ضعف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم ومواجهة اى تمييز يواجههم وعدم امتلاكهم قنوات واليات توصيل مطالبهم لصانعى القرار. وفى المقابل نجد الاكثر ثراء هو الاقدر على المطالبة بحقوقه بل والضغط فى سبيل الحصول عليها. وفى الحالة المصرية هناك مشكلات حقيقية تتعلق بممارسة المواطنة الاجتماعية سواء فيما يتعلق بتفشى الفقر وتأكل الطبقة الوسطى أو ما يطلق عليهم الفقراء الجدد، وتردى الخدمات المقدمة للمواطنين وتزايد معدلات البطالة. والمشكلة فى هذا السياق أن المجتمع المصرى يواجه حالة تتعمق يوما بعد يوم وهى ارتباط المواطنة بالثروة، فمن يملك يستطيع أن يتمتع بحقوق المواطنة والعكس صحيح. ومن يملك المال يستطيع أن يجد معاملة أفضل على يد مؤسسات الدولة وغيرها من المؤسسات.

يرتبط تحقيق المواطنة السياسية اى المشاركة فى الحياة العامة بالمواطنة الاجتماعية اى التمتع بالوضع الاجتماعى اللائق، فإذا تضاءلت القدرات المالية للشخص، فإن هذا يدفعه إلى العمل ليلا نهارا لتوفير احتياجاته الضرورية ولن يجد وقتا لممارسة العمل السياسى . وإذا كان الترشيح فى الانتخابات ومايرافقه من إنفاق مالى مذهل على الحملة الانتخابية أصبح احد الاشتراطات الاساسبة للعب دور سياسى فى المجتمع، فإن الفقراء بالضرورة سيكونون خارج سياق المنافسة.

فى الخبرة المصرية من الصعب القول أن المواطنة تحققت على المستويات الثلاث: القانونية والسياسية والاجتماعية/الاقتصادية. فهناك عوائق تضعها الحكومة وهناك عوائق يضعها المجتمع. فإذا نظرنا إلى عوائق المواطنة القانونية، سنجد غياب القدرة على التمتع بالمواطنة القانونية والسياسية اى المساواة فى الحقوق والواجبات بين عدد من الفئات فى المجتمع المصرى، حيث توجد بعض الجماعات التى تعانى من عدم المساواة القانونية الكاملة وتشعر بالغبن وفق أسس مختلفة: أسس دينية (مسلمين / مسيحيين) أو مذهبية (سنة/شيعة) أو ديانات سماوية او غير سماوية (البهائيين) أو نوعى (رجال / نساء) أو اجتماعى (غنى/ فقير).

على المستوى الدستورى، هناك إقرار بحقوق المواطنة الكاملة للمصريين جميعا بصرف النظر عن الاختلاف فى الدين أو العرق أو اللغة أو الجنس. وعلى الرغم من هذا الإقرار الدستورى بالمساواة الكاملة لكل من يحمل الجنسية المصرية، فأن هناك فئات تشعر بالتمييز على المستوى القانونى مثل الاقباط والبهائيين والشيعة. فيطالب قطاع عريض من الأقباط بوجود تشريع موحد لبناء دور العبادة. ويطالب البهائيين بتفعيل النص الدستورى الضامن لحرية الرأى والاعتقاد. كما تشكو المراة المصرية من عدم المساواة القانونية، فعلى سبيل المثال فى قانون العقوبات، تحابى بعض النصوص القانونية الرجل خاصة فى جرائم الزنا حيث يشتد العقاب القانونى على المرأة مقارنة بالرجل.

وعلى المستوى السياسى، هناك إفراط فى القيود القانونية المفروضة على الحياة السياسية، مما أدى إلى وجود كيانات حزبية هشة لاتستند إلى قاعدة اجتماعية ولاتستطيع التواصل المباشر مع المواطنين من ناحية وحجب قوى وتيارات أخرى عن الشرعية. والنتيجة غياب المنافسة السياسية التى تسمح لكل من يريد أن يدخل الحلبة السياسية أن يدخل.

وأخيرا على المستوى الاقتصادى والاجتماعى تتعدد المؤشرات من انتشار البطالة وتفشى الفقر وتردى الخدمات الاجتماعية المختلفة وغيرها من مؤشرات.

المواطنة.. والحالة المصرية


ورقة مقدمة من
د. مجدي عبد الحميد بلال
رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية


مدخل
إن الكلام عن المواطنة ومحاولة تعريفها يقتضي منا العودة إلي الجذر الذي أتت منه الكلمة، ألا وهو الوطن.
وللأسف تبدو صورة الوطن مبهمة عند الكثيرين في بلادنا، فهي ملتبسة مع مفهوم الدولة، فلكل منها تعريفه الخاص به ومعناه المستقل. فالدولة هي الشكل التنفيذي والمؤسساتي للوطن، وهي أيضا بدورها شيئ مختلف عن النظام الحاكم.
أما الوطن فهو الجزء الجغرافي الذي تعيش وتتعايش عليه مجموعة بشرية معينة، حيث يتفاعل الأفراد مع بعضهم ومع الأرض التي يقطنون عليها، وذلك علي مر الزمان. أي أن الوطن ليس علاقة عابرة مؤقتة وقصيرة، بل هو مجموعة من العلاقات الإنسانية والعاطفية والثقافية والمادية معاً.
هذا وقد جرت مجموعة من التشويهات المتعاقبة علي هذا التعريف فمسخته وغيرته حتي أصبح تارة يتماهي مع النظام وتارة أخري يعني المؤسسة التنفيذية أو الحزبية.
والمواطن ليس فقط مجرد فرد في هذا الوطن، والمواطنون ليسوا قطيعاً من البشر لا يستطيع غير أولي الرأي والمعرفة قيادته. بل هو في الأساس الوحدة الاساسية في بناء الوطن، وذلك بتواجده الفاعل الإيجابي وليس كينونته المنفعلة السلبية. ودون الإعتراف بالمواطن ودوره الفاعل لا يمكن أن يكون هناك وطن بل مجرد مزرعة كبيرة أو سجن محكم الإغلاق.
إن مبدأ المواطنة كما تناولته مختلف المراجع والأدبيات السياسية والإجتماعية بأنه علاقة بين فرد (مواطن) ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من حقوق وواجبات في تلك الدولة ويندرج ضمن هذا المفهوم، الحرية وما يصاحبها من مسؤوليات، فالمواطنة تضفي علي المواطن حقوقاً سياسية وأخري قانونية واجتماعية وثقافية.
ويمكن إعطاء تعريف عام لمبدأ المواطنة (ينحصر في): المشاركة الواعية والفاعلة لكل شخص دون استثناء ودون وصاية من أي نوع في بناء الإطار الاجتماعي والسياسي والثقافي للدولة، كما يشمل أحقية المشاركة في النشاط الاقتصادي والتمتع بالثروات فضلاً عن المشاركة في الحياة الاجتماعية، وأخيراً حق المشاركةالفعالة في اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة وتولي المناصب العامة فضلاً عن المساواه بين جميع المواطنين أمام القانون.
وهكذا نجد أن مبدأ المواطنة يتعلق بركنين أساسيين هما:
المشاركة في الحكم من جانب، والمساواه بين جميع المواطنين من جانب أخر.
ولعل القاسم المشترك في وقتنا الحاضر- المعبر عنه وجود قناعة فكرية وقبول نفسي، والتزام سياسي بمبدأ المواطنة، يتمثل في التوافق المجتمعي علي عقد اجتماعي (دستور) يتم بمقتضاه تضمين مبدأ المواطنة والوطنية باعتبارها مصدر الحقوق ومناط الواجبات بالنسبة لكل من يحمل جنسية الدولة دون تمييز عرقي أو طائفي أو ديني أو جنسي أو طبقي.
أن نوعية ودرجة المواطنة في دولة ما تتوقف وتتأثر بدرجة النضج السياسي والرقي الحضاري، كما تأثر مفهوم المواطنة عبر العصور بالتطور السياسي والاجتماعي وبعقائد المجتمعات وبقيم الحضارات والمتغيرات العالمية الكبري.
ومن هنا تحتل قضية حقوق المواطنة محوراً رئيسياً في النظرية والممارسة الديمقراطية الحديثة.

نظرية العقد الاجتماعي
تنهض النظريات الديموقراطية المختلفة علي أساس أن السلطة السياسية "الدولة" مصدرها الشعب، وبذلك لا يكون الحكم مشروعاً إلا إذا كان وليد الإرادة الحرة للجماعة التي يحكمها، ومن أهم النظريات الديموقراطية في نشأة الدولة وتحديد حقوق وواجبات الأفراد حيالها، نظرية العقد الإجتماعي، التي تقول في أبسط معانيها بوجود حياة فطرية تسبق قيام الجماعة، وإن الانتقال من حياة الفطرة إلي حياة الجماعة السياسية قد تم بناء علي عقد اجتماعي بين الأفراد بقصد إقامة السلطة الحاكمة. وتنطوي فكرة العقد الاجتماعي علي تحول عن المشروعية الدينية للحكم، إذ تعتبر أن مصدر التنظيم السياسي بأكمله هو إرادة الناس واتفاقهم فيما بينهم علي إقامة المجتمع المدني. ومن ثم فإن خضوعهم للسلطة يقوم علي رضاهم بها.
هذا وينصب الفكر السياسي لمنُظري العقد الاجتماعي علي تحديد حقوق المواطنين وواجبهم إزاء الدولة وأن يصنعوا لها حدوداً معينة لتدخلها المشروع. ويؤكد "جان جاك روسو" علي أن الهدف من التنظيم السياسي للمجتمع هو الحفاظ علي الحقوق الطبيعية للمواطنين وأن السيادة هي ملك للأمة، وأن القانون يعبر عن الإرادة العامة للمجتمع، الأمر الذي يشترط اشتراك المواطنين في وضع القوانين.

مفهوم المواطنة
يعتمد مفهوم المواطنة عند روسو علي دعامتين أساسيتين:
أ‌. المشاركة الإيجابية من جانب الفرد في عملية الحكم، وقد وصل تأكيد روسو علي أهمية هذا المبدأ حد أن ذهب إلي "أنه بمجرد أن ينصرف الناس عن الاهتمام الإيجابي بشئون الدولة أو إذ حيل بينهم وبين هذه المشاركة الإيجابية، يكون الوقت قد حان لاعتبار الدولة في حكم المفقودة".
ب‌. والمبدأ الثاني هي المساواة الكاملة بين أبناء المجتمع الواحد كلهم، فعدم المساواة "يدمر الخير الطبيعي في الإنسان ويجلب الشقاء علي الكثيرين ويجعل المجتمع في حالة تنافر متزايدة ويفقده وحدته بل ومبرر وجودة".
ومنذ روسو وحتي الآن حدث تطوير وتنقيح لمفهوم المواطنة ليصبح:
المواطنة هي انتماء الإنسان إلي الأرض التي يستقر بها ويحمل جنسيتها، ويكون مشاركاً في الحكم ويخضع للقوانين الصادرة عنها ويتمتع بشكل متساوي مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق ويلتزم بآداء مجموعة من الواجبات تجاه الدولة التي ينتمي لها.
وهي رابطة عضوية تحول الإنسان من مجرد فرد يسعي إلي إشباع احتياجاته وتحقيق أهدافه متصارعاً مع الظروف والأوضاع والآخرين، إلي عضو في مجتمع، يشعر بالأمان لإنتسابه إلي هذا المجتمع، ويسعي إلي تحقيق أهداف هذا المجتمع (التي هي بالضرورة ستحقق أهدافه)، متعاوناً مع الآخرين في منظومة يكفلها دستور هذا المجتمع.
وهي في النهاية عقد متبادل بين الفرد والدولة التي ينتمي إليها يهدف إلي تحقيق مصلحة كل منهما.

المواطنة والديموقراطية
المواطنة كإنتماء عضوي بالدولة، لاتحيا أو تنفعل دونما حاضن ديموقراطي، فالعلاقة بين المواطنة والديموقراطية علاقة توأمة لأية تجارب تنتجها الجماعة السياسية المكونة للدولة، حيث أن الديموقراطية تقوم علي أساس حق المواطن بالتعبير والمشاركة وصنع القرار، وهي ذاتها مقومات المواطنة الفعالة والصالحة في ظل الإنتماء للدولة الحديثة.
من هنا كانت المواطنة الديموقراطية أساس الفاعلية الاجتماعية لأنها تهب شروط النهضة وركائز الفاعلية الإنسانية والوطنية.
وبالمقابل لا يمكن تصور أي فاعلية إنسانية أو وطنية حقيقية في ظل المواطنة المحكومة دكتاتورياً.. فالمواطنة القابعة تحت سيطرة الإستبداد والاستعباد، الفاقدة للحرية والإرادة، المحرومة من التعبير والمشاركة .. لايمكنها أن تبدع أو تنتج، فالفاعلية والإبداع لا يصدران عن مجتمع السادة والعبيد.. بل يصدران عن مجتمع المساواة والتكافؤ والمشاركة ... والمواطنة الديموقراطية هي الأساس الموضوعي الواهب لإمكانات النمو الفعال صوب التكامل الوطني كونه يهب شروط النهضة ومقومات الفاعلية المتواصلة.
إن المشروع الحضاري الديموقراطي التي تشكل المواطنة عموده الفقري هو الضامن لإنتاج فاعلية اجتماية تصاعدية من خلال انتاجه للسلطة الحيادية التي تقف علي مسافة واحدة من الكل الوطني بعيداً عن الإقصاء والتهميش والإكراه والحجر، وهو الموفر لمقومات البناء والبقاء من خلال حله لإشكاليات السلطة والإدارة العامة للمشروع الإنساني السياسي. من هنا كان المجتمع الديموقراطي هو ذلك المجتمع المتناغم في تشكيلاته الهادفة لإقرار المصالح العامة التي تعود علي مؤسساته وأفراده بالنفع.

الليبرالية والمواطنة
يشير الخطاب الليبرالي إلي المواطنة بإعتبارها جزء لا يتجزء من حقوق الإنسان الأساسية وأنها من أهم متطلبات الدولة الحديثة واكتمال أسباب قوتها، وأن ذلك يتطلب المساواه التامة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم علي أساس الدين أو الجنس أو العنصر أو العقيدة وأن هذا الحق أصبح يستند إلي القانون الدولي المتعارف عليه بحكم تضمينه في عدد من العهود والمواثيق الدولية التي تحظي برضاء الأغلبية العظمي من الجماعة الدولية. وانسجاماً مع الموقف الليبرالي التلقيدي فإن المواطنة وليس الإنتماء الديني هو مصدر الحقوق والواجبات العامة، ومن ثم يؤكد هذا الخطاب علي وجوب المساواه الكاملة بين المواطنيين وعدم ممارسة التمييز بينهم، فلا فرق بين مسلم وغير مسلم ولا بين رجل وامرأة فيما يتمتع به كل منهما من حقوق وواجبات في ظل الدولة الحديثة.
كما تري الليبرالية أن الدعوة للمساواه بين المواطنيين في الوطن الواحد ورفض أي صورة من صور التمييز هي من منطلقات الدولة العلمانية التي تقر بفصل الدين عن الدولة.

حال المواطنة في مصر
دستور أي دولة هو العقد الاجتماعي المبرم بينها أي الدولة وبين مواطنيها، وحال المواطنيين في دولة ما هو انعكاس لدستورها (عقدها الاجتماعي)، كما يعكس الدستور أحوال المواطنين في بلد ما بما في ذلك درجة التطور السياسي، والدستور المصري ينفي عن بعض المواطنين المصريين حقوق المواطنة ويخل بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وافقت ووقعت عليه الحكومات المصرية. فتوقيعها يناقض نفسه في بعض مواد دستورية أخري، والتي دون علاجها لامجال لتفعيل حقوق المواطنة في مصر. فمن الوهم مطالبة كل المصريين الارتقاء فوق دستورهم الذي يحث علي العنصرية الدينية عند تعريفه "للهوية المصرية" ووصمها وحصرها بدين معين ومذهب معين.
فالمادة (2) من الدستور المصري:
الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.
إن هذه المادة من الدستور المصري تتعارض مع العديد من المواد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويستمرئ الحزب الحاكم والمؤسسات الدينية لها، لبقاء التمييز بين المواطنين.
وهذه بعض مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تتناقض مع نص المادة الثانية من الدستور المصري
المادة (2) من الإعلان العالمي الحقوق الإنسان:
لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء
المادة (6):
لكل شخص الحق في المعاملة المتساوية من قبل القانون.
المادة (18):
لكل شخص الحق في ممارسة شعائره الدينية وفي تغيير دينه إن شاء ذلك.
وهكذا نجد أن الدستور المصري ظاهرياً يكفل حرية العقيدة وفي الواقع لا يكفل حقوق المواطنة.
تلك الخدعة الظاهرة الباطنة هي التي تمرر تقنين الانتهاكات التي تقام علي غير الفرد المسلم السني، مثل ما يعانيه الأقباط والبهائيين والشيعة والقرآبنين واللادينيين المصريين.
وعلي مستوي التوزيع العادل للثروة، فإن توفير التعليم الحقيقي والرعاية الصحية المتكاملة للإنسان (علي سبيل المثال) هي جزء من حقوق المواطنة علي الدولة أن تقدمة وتدفع من موازنتها العامة ما يكفي من أموال وموارد دون من أو منح، لأن بدونه لا تصح علاقة بين الدولة ومواطنيها علي أسس ديموقراطية حقيقية. وفي الوقت الذي تشيع فيه الأمية وتعتل صحة المواطنين ولا يشارك فيها الجميع في السلطة والثروة ويكون لهم فيها حق التصرف والتغيير، فإن الدولة تصبح دولة لا ديموقراطية ولا تعرف حقوق المواطنة. وللأسف فإن الدولة في مصر منحازة إلي طبقة الأغنياء، حيث التفاوت بين الأثرياء والفقراء يفوق الوصف والخيال وفي الوقت نفسه ترفض الحكومة المعبرة عن مصالح الأغنياء أن تقوم بإعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل.
أما عن المساواة أمام القانون، فالتناقضات صارخة في ذلك المجال، حيث نجد أشخاص فوق القانون وآخرون لا تحُترم آدميتهم سواء في أقسام الشرطة أو السجون أو حتي المصالح الحكومية حيث يتم إهدار حرية وكرامة الإنسان ويداس الدستور والقوانين بالأقدام. وهنا يجب أن نفرق بين نوعين من الانتهاكات:
النوع الأول هو إهدار حرية الفكر وكرامة المواطن قبل إهدار القوانين لأسباب محض طبقية، حيث تتم معاملة المواطنين الأدني مرتبة في السلم الاجتماعي من قبل الشرطة والمسؤليين الإداريين والتنفيذيين بالدولة بشكل أقل ما يقال عنه أنه فيه تحقير وانتقاص من كرامة وأدمية المواطن.
أما النوع الثاني من الانتهاكات فهو الذي يتم علي أساس اختلاف العقيدة السياسية فكل مخالف في الرأي أو منتمي إلي تيار سياسي معارض للنظام الحاكم معرض للحبس والاعتقال والتشريد، الأمر الذي يعد انتهاكاً صارخاً لحقوق المواطنة.

من رعايا إلي مواطنين
إن من أبلغ اللحظات التاريخية أهمية في النصف الأول من القرن العشرين في مصر الثورة الوطنية الشعبية عام 1919، وتنبع هذه الأهمية من أنها أعطت مضموناً جماهيرياً اجتماعياً علي فكر المواطنة ووحدة عنصرى الأمة (المسلمين والأقباط) والتى سبق أن أدخلها محمد على من أعلى عن طريق الأسلوب القانونى التنظيمى .ويمكن القول أن الدولة المصرية الحديثة بدأت فى التكوين فى عام 1922 ،مع خروجها قانونياً وشرعياً من كنف الدولة العثمانية ، التى كانت تمثل مشروعاً سياسياً إمبراطورياً مختلفاً تماماً ، يكون فيه الناس " رعايا لا مواطنين" .
هذا وقد قامت الدولة المصرية الحديثة بإصدار قانوناً للجنسية فى عام1922 ، جعل لكل من عاش وأقام على ارض مصر قبل عام 1920 الحق في أن يكون مواطناً مصرياً وينتهي وضعه بإعتباره واحداً من رعاية الدولة العثمانية، ولكن ذلك لم يكتمل إلا عندما صدر دستور 1923 الذي جعل الشعب والمواطنين مصدر السلطات والذين يقومون بحكم أنفسهم من خلال التمثيل في المجالس النيابية المنتخبة انتخاباً حراً.
شركاء لا أجراء
ولكن المبدأ مواطنون لا رعايا لايكتمل دون مبدأ آخر وهو "شركاء لا أجراء"، بمعني أن واحده من أهم سمات المواطنة هي أن يكون المواطنون شركاء في السلطة والثروة معاً، وبدون ذلك فإن المواطن لا يكون مواطناً حقاً بالمعني السياسي والاجتماعي، وإنما ساكن علي أرض هذا الوطن
وهكذا فإن المشاركة في الحكم هي واحده من شروط المواطنة واكتمالها، وعندما يجري تزوير الانتخابات النيابية المختلفة بسبب الاستبداد و تسلط النظام الحاكم، فإن المشاركة الزائفة لا تعد إهانة للديموقراطية وحسب، وإنما إهانة مضاعفة لحقوق المواطنة في دولة حرة.
والحقيقة الناصعة أن المصريين لا يشاركون في الحكم ولا في الثروة أيضاً، وذلك بسبب التجاوزات التي تشهدها الانتخابات والتي تجعل البرلمانات في النهاية تمثيل غير حقيقي للمواطنين، بل أداه في يد الطبقة الحاكمة ونخبة الحزب الوطني الديموقراطي المسيطرة والتى تمارس قهر وإستبداد الأغلبية الآتية بالتزوير والتى لا تعبر عن إرادة الأمة ، وإنما إرادة حفنة قليلة من المستبدين .

الدولة المدنية والمواطنة
مهمة الدولة المدنية كما حددها جون لوك، هي المحافظة علي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الفكر.
فهي تضمن حقوق وحريات المواطنين بإعتبارها دولة المواطنة، التي تقوم علي قاعدة ديمقراطية هي المساواه بين المواطنين في الحقوق والواجبات. وعليه فالمواطنون لهم حقوق يتمتعون بها، مقابل واجبات يؤدونها. وهذا المواطنة لصيقة كلياً بالدولة المدنية، فلا دولة مدنية بدون مواطنة، ولا مواطنة بدون دولة مدنية. فالمواطنة لا تتحقق إلا في دولة مدنية ديموقراطية تعددية دستورية تصون كرامة المواطن وقناعاته في ممارسة معتقداته وأفكاره بالشكل الذي يؤمن به في إطار الدستور الذي يقره الشعب.
ولا يمكن بناء الدولة المدنية في ظل السلطة الدينية، لأن العقيدة أية عقيدة كانت، لا تؤمن بحق جميع المواطنين علي قدم المساواه طالما أن القانون الديني يمييز بين العقائد. ومن هنا تبرز أهمية حرية العقيدة في الدولة المدنية التي هي علمانية بالضرورة، حيث تسمح بممارسة المواطنين لعقائدهم بحرية وبدون تمييز وبنفس الشروط علي أساس حق الجميع في المواطنة المتساوية.
والعلمانية تفصل السياسية عن الدين ولا تتناقض مع الدين وحق المواطنين في ممارسة عقائدهم بحرية.
بينما تكفر الدولة الدينية فصل السياسية عن الدين، والتكفير سلاح قوي لإدانة كل مواطن يعارض النظام، لأن المعارضة في الدولة الدينية ممنوعة بإعتبارها مخالفة لشرع الله، في حين أن المعارضة واجبة وضرورية في الدولة العلمانية الديموقراطية الليبرالية الدستورية، التي تؤمن بالتعديدية. أضف إلي ذلك أن الدولة الدينية ترفض الديموقراطية لأن الشعب ليس مصدر السلطات وإنما الشرع الديني، وبذلك ليس للشعب دور في الحكم.
الألتفاف حول الدولة المدنية
يطرح الإسلام السياسي "دولة دينية" ذات غطاء مدني، بينما تقول جماعة الأخوان المسلمين بدولة "مدنية" وليست "دينية". ومفهوم الدولة المدنية عندهم هو الدولة التي لا يحكمها رجال دين. أما أن يحكم "الدين" الدولة، باسم تطبيق الشريعة فتلك مسألة آخري.
والحقيقة أن الدين لا يحكم وأنما البشر هم الذين يحكمون، وعندما يحكم هؤلاء باسم الدين، فإنهم يكونون رجال دين حتي لو لم يلبسوا العمامة.
والخلاصة:
ضياع مستقبل الدولة المدنية في مصر بين استغلال الدين في العمل السياسي، للوصول إلي الحكم، مثلما هو الحال مع جماعة الأخوان المسلمين وغيرها.. وبين استغلال النظام السياسي الحالي للدين لترسيخ السلطة، وتحقيقاً لأهداف سياسية وحزبية لم يستطع تحقيقها بالوسائل المدنية.
فبعد قرنين كاملين من محاولة إنشاء دولة مدنية حديثة، مازلنا حائرين في ماهية تلك الدولة وهل هي حقاً مدنية أم دينية في ثياب مدنية.

المجتمع المدني والمواطنة في مصر
يقوم المجتمع المدني علي عدة عناصر، ففي المجال الاقتصادي يقوم علي حرية السوق، وفي المجال السياسي يقوم علي أساس استمداد السلطة من الشعب، أما في المجال الحقوقي فيقوم علي مفهوم المواطنة.
وكما سبق أن ذكرنا تقوم المواطنة علي ركنين أساسيين: المشاركة والمساواة، فأين هو موقع المجتمع المدني في مصر من هذين الركنين ومن قضية المواطنة بشكل عام.

المجتمع المدني والتمييز الديني
تلعب منظمات المجتمع المدني في مصر دوراً محورياً في المسألة الطائفية فهي المؤسسات الوحيدة المحايدة في الموضوع والتي تضم المصريين علي كافة أطيافهم وانتماءاتهم الدينية والسياسية، وهي لا تستثني أحداً أو تتحدث بلهجة تخوينية لأحد الأطراف.
والمتابع لنشاط هذه المنظمات يلحظ الزيادة المطردة في عددها ونشاطها في صنع الإعلام الحكومي، فنذكر علي سبيل الميثال دور المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في تقريريها عن أحداث الكشح، كذلك تقارير الجمعية المصرية لمناهضة التعذيب، ومركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان بعد أحداث العديسات والتقارير التي أعدتها أكثر من منظمة عن أحداث (بمهما بالعياط، كما لا يمكننا أن نغفل الدور الذي يمارسه مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وتنظيمه للعديد من اللقاءات والمؤتمرات حول قضية التمييز الديني في مصر، وأخيراً مجموعة مصريون ضد التمييز الديني التي برزت في الآونة الأخيرة كإحدى أهم المنظمات العاملة علي جمع المصريين بمختلف انتماءاتهم لمكافحة كافة أشكال التمييز الديني وتفعيل مبدأ المواطنة الحقيقية في مصر.

المساواة بين الرجل والمرأة
إن ارتباط تحقيق مبدأ المواطنة بتفعيل آليات قضية التمكين للمرأة بما يحقق تحسين وضعها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً لهوعامل أساسي لتحقيق مشاركة المرأة بنسبة وجودها في المجتمع لتحقيق التوازن الذي يعكس بشكل صحيح التكوين الطبيعي للمجتمع، وهذا أيضاً من شأنه أن يحقق مبادئ الديموقراطية ومبادئ الكفاءة الأعلي في الآداء، فالمواطنة الكاملة هي ضرورة النظر إلي الرجل والمرأة كشركاء في المسؤولية واتخاذ القرار.
إن قيام منظمات المجتمع المدني بنشر وعي المساواة بين الجنسين علي مستوي المسؤليات داخل الأسرة، من شأنه أن يسمح بمشاركة المرأة في المجال العام ويعمل علي تحقيق التمكين في مجال صنع القرار للمرأة. ويكفي هنا علي سبيل الميثال الإشارة إلي أحد الإئتلافات الهامة التي أنجزها المجتمع المدني المصري في سبيل الإرتفاع بشأن قضية المرأة ووضعها في مكانها اللائق بها، وهو إئتلاف "السيداو" الذي تأسس من 22 جمعية أهلية في عام 1998 ووصلت عضوية الجمعيات الآن إلي 38 جمعية أهلية في 19 محافظة ويهدف هذا الإئتلاف إلي تفعيل ومراقبة تطبيق اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة.
وكذلك فإن قضايا المشاركة السياسية للنساء وقضايا العدالة والمساواة وعدم التمييز، هي ما تنشغل به منظمات المجتمع المدني والجمعيات النسائية علي وجه الخصوص، ويجري الحديث في هذه الأيام حول ضرورة تطوير وضع المرأة في قوانين مباشرة الحقوق السياسية المزمع صدورها بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، حيث تقوم مجموعة منظمات بالتنسيق فيما بينها للوصول إلي مشروع قانون جديد وموحد للأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين ومن بين تلك المنظمات مركز قضايا المرأة المصرية، رابطة المرأة العربية، مؤسسة تنمية الأسرة، مؤسسة أمي، جمعية تنمية المرأة بالأسكندرية، جمعية المرأة والمجتمع.

العدالة الاجتماعية والمواطنة
إن الجوع وسوء التغذية، ناهيك عن عدم كفاية فرص الحصول علي التعليم الجيد، وتنمية المهارات واكتساب المعرفة والحصول علي سكن مناسب وماء نظيف وصرف صحي وبيئة مناسبة، كل هذه الأمور تنتقص من المواطنة وتجعلها عرضة للإهتزاز، إذ لا يمكن الحديث عن المواطنة دون عمل مناسب وحق في العلاج وحق في الضمان الاجتماعي وحق في التمتع بوسائل الثقافة، وقبل كل شيئ الحق في التخلص من الفقر والحق في العدالة الاجتماعية.
وجدير بالذكر أن عدد مؤسسات المجتمع المدني المصري العاملة علي التمكين في المجال الاقتصادي والاجتماعي والرامية إلي تحقيق العدالة، والمساواة بين جموع المصريين قليل نسبياً إذا ما قورن بالمؤسسات الخيرية والخدمية، ونشير هنا إلي أدوار عدد من المنظمات المدافعه عن حقوق العمال والفلاحين وحقوق الفقراء بشكل عام، مثل "دار الخدمات النقابية والعمالية، مركز الأرض، مركز الحق في السكن".

المساواة أمام القانون
ترتكز دولة الحق والقانون علي المبادئ التالية:
1. الفصل بين الدولة والمجتمع المدني، بما يعني استقلالية الدولة تجاة المصالح العامة والطبقات والحياة الاقتصادية.
2. تحديد العلاقة بين الدولة والمجتمع بواسطة الانتخابات التي أصبحت حقاً ديموقراطياً بالنسبة للمواطنين، الذين يتعين عليهم انتخاب حكامهم وممثليهم في جميع الهيئات بإعتبار أن الانتخابات الديموقراطية هي المصدر الحقيقي والأصلي لشرعية السلطة السياسية، وهكذا فإن مشروعية السلطة لا يمكن أن تكون خارج الإرادة الشعبية والانتخابات بوصفها قاعدة ديموقراطية:
لما كانت الديمقراطية كمفهوم سياسي مدني نسبة إلي المجتمع المدني، مرتبطة عضوياً بالعقلانية والحرية، بوصف الديموقراطية ممارسة الحرية، فإن أحد أركان هذه الديموقراطية السياسية تقوم علي المساواة أمام القانون لجميع المواطنين، بصرف النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد أو الإنتماء الفكري والسياسي أو الوضع الطبقي، بإعتبار أن المساواة أمام القانون وسيادة القانون علي الحاكم والمحكومين تشكلان مظهراً من مظاهر ممارسة السياسة بوصفها مجموعة من الحقوق والواجبات الملقاه علي عاتق المواطن الحر، العضو في الدولة السياسية وفي المجتمع المدني، وواقع الحال أن مبدأ المساواة أمام القانون مهدر تماماً من الناحية العملية في مصر حيث لا حقوق متساوية للمواطنين في الترشح للهيئات النيابية والمحلية والمناصب العليا في الدولة، كما يوجد تمييز بين المواطنين في المصالح الحكومية وأقسام البوليس والمرور وغيرها من القطاعات والمؤسسات التي يتعامل معها المواطنون، وذلك إما علي أساس الوضع الاجتماعي والطبقي أو علي أساس ديني أو علي أساس الموقف السياسي من النظام الحاكم.
إن أشكال عدم المساواة بين المواطنين أمام القانون في مصر متعددة وصارخة، ولكننا نجد في نفس الوقت أن عدداً كبيراً نسبياً من مؤسسات المجتمع المدني المصرية العاملة في مجال المدافعة والحقوقية قد لعب دوراً هاماً في الآونة الأخيرة للتصدي لكافة أشكال التمييز وعدم المساواة أمام القانون ومن بين تلك المنظمات والمؤسسات (المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، المبادرة الشخصية لحقوق الإنسان، جمعية النهوض بالمشاركة المجتمعية، مركز الأرض، جمعية المساعدة القانونية، مركز هشام مبارك للقانون) وغيرها من المراكز والمؤسسات الدفاعية والحقوقية.

الحق في المشاركة
المشاركة هي الدور الذي يلعبه المواطن في الحياة العامة بحيث يؤثر علي القرارات ويساهم في تنفيذها، ودون القيام بهذا الدور يستحيل أن ينمو المجتمع. وهي في نفس الوقت مسئولية المواطن التي تقابلها مسئولية الدولة (حكومة ومؤسسات) لتوفير مناخ داعم للمشاركة، وهي بهذا المعني عملية متكاملة ومستمرة.
ومن أهم سمات المشاركة أنها تعني:
· حق المواطنين في الانضمام بحرية إلي الجمعيات ومؤسسات ومنظمات حكومية وغير حكومية، وهيئات المجتمع المدني والنقابات.
· حق المواطنين في الترشيح إلي أو انتخاب مسؤولين عامين.
· حق المواطنين في الانضمام لأحزاب سياسية تقوم بتعبئة الناخبين وتسمية المرشحين وتنظيم الحملات الانتخابية لانتخاب مسؤولين لمناصب عامة، وصياغة برامج سياسية للحكومة إذا كانت تمثل الأغلبية، كما توجه الانتقاد وتطرح السياسيات البديلة إذا كانت في المعارضة، وتوفر القواعد الضرورية لقيام نقاش سياسي في المجتمع.
· حق المواطنين في الاجتماع بشكل سلمي والاحتجاج علي سياسيات حكومتهم، عن طريق المظاهرات والمسيرات السلمية، وتقديم العرائض وتنظيم الإضرابات وغيرها من أشكال الأعمال التي يقوم بها المواطنون مباشرة.
· وهي أخيراً حق المواطنين في المساءلة والمحاسبة، أي أن يكون متخذوا القرار في الوظائف العامة والحكومة والقطاع الخاص وفي مؤسسات المجتمع المدني مسؤولين أمام المواطنين. كما تعني أيضاً أن يقوم المواطنون أفراداً وجماعات بمتابعة آداء ممثليهم بعد نجاحهم في الانتخابات للتأكد من أنهم يعملون علي تحقيق وعودهم التي ألزموا أنفسهم بها أمام الناخبيين الذين منحوهم ثقتهم واختاروهم لهذه المناصب لرعاية مصالحهم.
وفي مصر تعمل مؤسسات المجتمع المدني العاملة في مجال تفعيل وحفز المشاركة المجتمعية، علي كسر حاجز الإستبعاد والتهميش لقطاعات عريضة من المجتمع، والعمل علي اشراكهم في عملية اتخاذ القرار والاستفادة بعوائد التنمية، وذلك بتمكين تلك القطاعات، بمعني إكسابهم المعارف والمهارات والخبرات التي تساعدهم علي تحمل مسئوليات أكبر في إدراة شئون حياتهم والعمل بفاعلية في تحسين البيئة المحيطة التي تؤثر بشكل عام في مشاركة جميع المواطنين ونذكر من هذه المؤسسات علي سبيل المثال "الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية" التي تتبني برنامج متكامل له أبعاد ثقافية ومعرفية وتدريبية وكذلك أبعاد عملية لنشر ثقافة المشاركة بين المواطنين , كذلك هناك عدد لا باس به من المنظمات الحقوقية التي تعمل علي حفز مشاركة المواطنين وخاصة المشاركة السياسية للمراة وتفعيل دورها المجتمعي ومن بين تلك المظمات المركز المصري لحقوق المراة , مركز قضايا المراة المصرية , مؤسسة المراة الجديدة , رابطة المراة العربية .

المواطنة في برنامج الأحزاب السياسية


ورقه مقدمه من : عبد الغفار شكر
نائب رئيس مركز البحوث العربية والأفريقية



تعتبر المواطنة أساس الدولة الحديثة فى أى مجتمع من المجتمعات. وقد أنشغل الفكر السياسى المصرى بهذه القضية باعتبارها ركن هام فى التطور الديمقراطى للمجتمع المصرى، ويبدو اهتمام الفكر السياسى المصرى بهذه القضية واضحا فى العديد من الدراسات الأكاديمية وفى برامج الأحزاب السياسية المصرية وكذلك فى برامج التربية المدنية التى تنفذها العديد من منظمات المجتمع المدنى، وما تتضمنه مناهج التعليم من إشارات إليها.
ما هى المواطنة
والمواطنة هى فى جوهرها وضع قانونى وسياسى يتمتع به الأفراد الذين ينتمون لوطن معين أو دولة بعينها، فالمواطنة تعبر عن انتماء الأفراد والمجتمع إلى وطن بما يتضمنه ذلك من حقوق للأفراد وواجبات ومسئوليات عليهم تجاه المجتمع. أى أن المقصود بالمواطنة هو العضوية الكاملة والمتساوية فى المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وهو ما يعنى أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية كأسنان المشط بدون أدنى تمييز قائم على معايير تحكميه مثل الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادى أو الانتماء السياسى والموقف الفكرى، والمواطنة تعبر عن انتماء الأفراد لمجتمع أو وطن بما يتضمنه ذلك من حقوق للأفراد وواجبات ومسئوليات عليهم تجاه المجتمع. وتشمل المواطنة الحقوق القانونية والسياسية للمواطن فى الوطن الذى يحتضهم، بما يضمن تمتع المواطنين بالمساواة دون أن يقع على أى منهم أى نوع من أنواع التمييز القائم على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادى أو الانتماء السياسى أو الموقف الفكرى.
المواطنة الفعالة والديمقراطية
هى مشاركة أفراد المجتمع فى الشأن العام، وتعاونهم لبناء وتنمية والحفاظ على المجتمع، من خلال العمل على تحسين وتطوير المجتمع والدولة التى يعيشون بها عبر المشاركة السياسية فى الانتخابات العامة أو المحلية مثلا. والمشاركة الاقتصادية والخدمة الاجتماعية، والعمل التطوعى وكل الممارسات التى من شأنها تقدم ورفعة المجتمع والأفراد الذين يعيشون فيه.
وتعد المواطنة روح الديمقراطية على أن يدرك كل مواطن أن عليه مسئوليات وواجبات كما له أن يتمتع بحقوق وحريات، فمثلا على المواطن تسديد الضرائب ومن حقه التمتع بالحماية والأمان. ولكى يحدث هذا يجب أن يقبل الشعب سلطة حكومة ما فيتبع بالتالى قوانينها، ويشارك فى اختيارها من خلال العملية الديمقراطية وهذا ما يعطى الحكومة مشروعيتها.
يجسد الدستور المصرى هذه الحقيقة فى المادة 40 التى تنص على (المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة).
للمواطنة ثلاثة مكونات أساسية هى:
المواطنة المدنية: التى تتضمن الحقوق والحريات المدنية مثل سيادة القانون والمساواة أمام القانون وحرية التعبير والفكر والحرية الدينية.
المواطنة السياسية: وتشمل حقوق المشاركة السياسية مثل الحق فى التصويت والحق فى الترشيح للوظائف العامة وعضوية الأحزاب السياسية.
المواطنة الاجتماعية: وتشمل الحق فى العمل وضمان حد أدنى من الأمن الاقتصادى والمادى فى كل مراحل العمر بما فى ذلك التأمينات الاجتماعية.
واجبات المواطنة:
والمواطنة ليست فقط التمتع بالمساواة فى الحقوق بل هى أيضا مسئولية يتحملها المواطن ودور يقوم به فى المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين وهو ما يطرح واجبات المواطنة. فالمواطنة باعتبارها الرباط الاجتماعى والقانونى بين الأفراد والمجتمع السياسى الديمقراطى تستلزم إلى جانب الحقوق والحريات- مسئوليات والتزامات مهمة بدونها يفشل مشروع الديمقراطية.
ومسئوليات المواطنين ِأو واجباتهم يمكن تقسيمها إلى نوعين:
-مسئوليات تفرضها الدولة على مواطنها: مثل دفع الضرائب والخدمة فى القوات المسلحة وطاعة القوانين التى يسنها ممثلو الشعب فى مجلس الشعب.
-ومسئوليات يقوم بها المواطنون طوعا: مثل النقد البناء للحياة المدنية والسياسية، والمشاركة فى تحسين الحياة المدنية والسياسية، والعمل على تضييق الفجوة بين الواقع والغايات الديمقراطية، والمسئولية عن الصالح العام والخير المشترك. ويتطلب هذا النوع من المسئوليات إعداد المواطنين وتربيتهم وتثقيفهم للقيام به.
من هذا كله يتضح أن المواطنة تعنى العضوية النشطة فى مجتمع سياسى فى إطار من الحقوق والمسئوليات التى يحددها الدستور والقانون.


المواطنة فى الدستور
يعتبر الدستور القانون الأساسى فى المجتمع وهو الوثيقة المرجعية بالنسبة للمواطنة أى حقوق وواجبات المواطنين فى إطار من المساواة الكاملة. وفضلا عما ورد فى المادة 40 من الدستور التى تكفل هذا الحق وتصيغ الأساس القانونى للمواطنة فى المجتمع المصرى، هناك مواد أخرى توضح أبعاد هذه المواطنة ومقوماتها الأساسية وتعتبر أساس الوضع السياسى القانونى للمساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات مثل:
مادة13- العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة.
مادة 14- الوظائف العامة حق للمواطنين.
مادة 40- المواطنون لدى القانون وسواء وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.
مادة 46- تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
مادة 47- حرية الرأى مكفولة ولكل إنسان الحق فى التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير .
مادة 49- (حرية البحث العلمى والإبداع الفنى)- مادة 54 (حق الاجتماع الخاص والاجتماعات العامة والمواكب)- مادة 55 (حق تكوين الجمعيات)- مادة 56 (حق إنشاء النقابات)- مادة 58 (الدفاع عن أرض الوطن والتجنيد إجبارى) مادة 61 (أداء الضرائب العامة)- مادة 62 (حق الانتخاب والترشيح). مادة 76 (حق مخاطبة السلطات)- مادة 68 (حق التقاضى).
الأحزاب السياسية والمواطنة
اهتمت الأحزاب السياسية فى مصر بقضية المواطنة وطرحتها فى برامجها السياسية من زوايا متعددة على رأسها قضية المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات، وعدم التمييز بين المواطنين لأى سبب كان سواء الدين أو العقيدة أو الموقف السياسى أو الانتماء الاجتماعى. من أمثلة هذا الاهتمام:
الحزب الوطنى الديمقراطى: طرح الحزب الوطنى الديمقراطى قضية المواطنة فى وثائقه الأساسية وفى أوراق لجنة السياسات التى تعتبر بمثابة المطبخ السياسى لأفكار الحزب وأعلن التزامه بالمساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات.وتضمن البرنامج الانتخابى للرئيس محمد حسنى مبارك رئيس الحزب الوطنى الديمقراطى هذه القضية كما اقترح فى تعديلات الدستور أن ينص صراحة فى إحدى مواده على أن المواطنة هى أساس المجتمع والدولة.
حزب الوفد: تضمن البرنامج السياسى العام لحزب الوفد إشارات عديدة إلى قضية المواطنة منها:
-يطالب الحزب بمزيد من الدعم للحقوق والحريات العامة وعلى رأسها الحرية الشخصية وحرية التعبير عن الرأى، وإصدار التشريعات واتخاذ كافة الإجراءات الأخرى الكفيلة بتأمين احترام هذه الحقوق والحريات وحمايتها بسياج منيع ضد أى عبث أو عدوان، ولإنهاء كل تشريع أو سلوك إدارى يتعارض معها.
-توفير الحرية الكاملة للشباب داخل الاتحادات الطلابية ليقوم بتشكيل تنظيماته بأسلوب ديمقراطى فى حرية كاملة دون قهر أو تسلط، ومعاونة هذه التنظيمات على تدعيم صلاتها مع تنظيمات الشباب المماثلة على جميع المستويات العربى والأفريقى والعالمى.
-إتاحة الفرصة للشباب للمشاركة المبكرة فى الحياة السياسية كى يتفهم قضايا وطنه ويتمرس بها مع تعريفه بماضى بلاده المجيد.
-يؤمن الحزب بأن للمرأة وهى نصف المجتمع دورا أساسيا فى حياة الأسرة والوطن.
-إن الحرية السياسية التى أتيحت للمواطنين أخيرا تنادى بالمشاركة الإيجابية فى النشاط السياسى خاصة، وقد أعلن الشعب رأيه بأغلبية هى أقرب إلى الإجماع فى الاستفتاء الأخير بأنه يراد قيام الأحزاب تعبيرا عن آماله وأمانيه فى الحياة الكريمة فى الداخل والخارج.
-يؤكد الحزب أن كل اعتداء على الحرية الشخصية أو غيرها من الحقوق والحريات العامة جريمة لا تسقط بتقادم الدعوى الجنائية ولا المادية الناشئة عنها.
حزب الجبهة الديمقراطية: تحدث حزب الجبهة الديمقراطية عن المواطنة بشكل مباشر فى برنامجه السياسى تحت عنوان المواطنة فى فقرة كاملة نصها (إن الفرد فى العصر الحديث عضو فى جماعة سياسية هى الوطن، وأبناء الوطن بالتالى مواطنون متساوون فى الحقوق والواجبات. لقد انتهت بمصر الجماعات البدائية التى يربط أفرادها علاقة القرابة أو النسب (القبيلة أو العشيرة) أو المجتمعات التقليدية التى تستند إلى الجنس أو العرق أو الديانة. فالوطن هو جماعة سياسية تجمع بين المواطنين الذين يشتركون فى الوطن بما يحملونه من تاريخ مشترك، وأحلام واحدة يربطهم الشعور العام بهذا الولاء لهذا الكيان السياسى بما يتضمنه من تقاليد وقيم وعادات وتطلعات، وأيضا آلام وآمال. فى هذا الوطن يتساوى الجميع، ويساهم كل منهم وفقا لإمكانياته وبرؤيته لخدمة هذا المجتمع، بلا تفرقة بسبب لون أو دين أو قرابة أو نسب أو ارتباط بمنطقة جغرافية أو منصب سياسى. الوطن بوتقة تجمع الجميع وتختفى فيه التمايزات الجانبية، الانتماء للوطن هو الرابطة الأساسية وهو جوهر المواطنة وللجميع نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، والاختلافات الجزئية ليست مظهراً للفرقة أو الضعف، وإنما هى تعبير عن الثراء والتنوع، والكل مطالب باستخدام قدراته وطاقاته الإبداعية للإضافة إلى هذا الوطن ولذلك فكل أشكال التمييز العنصرى أو الدينى أو التمييز ضد الفئات المهمشة أو الضعيفة من نساء أو أطفال أو كبار السن، كل هذا يعتبر اعتداء على الوطن.
وإذا كان الوطن هو بالدرجة الأولى تجمعا سياسيا للمواطنين تعاهدوا على خدمة الوطن ورفعته، فإننا نعيش فى مجتمع عالمى مكون أيضا من تجمعات سياسية فى شكل دول لها مثل مالنا من حقوق ووعليها مثل ما علينا من واجبات.وهكذا فإن الاعتراف بالمواطنة فى العلاقات الإنسانية داخل الوطن يتطلب الاعتراف بالسلامة للدول الأخرى ومواطنيها. فالدولة الديمقراطية الليبرالية لا تعمل فقط ضد التمييز والتميز بين المواطنين، بل هى أيضا دعوة للسلام والتعاون الدولى فى إطار من الاحترام المتبادل لحقوق الشعوب.
هكذا عالج البرنامج السياسى لحزب الجبهة الديمقراطية مسألة المواطنة من جوانب عديدة سواء من حيث المفهوم أو المقومات أو النتائج المترتبة عليها.وهناك إشارات أخرى فى برنامج الحزب حول قضية المواطنة منها:
-القضاء على كافة صور التمييز على أساس دينى.
-إزالة التفرقة بين المواطنين على أية أسس اجتماعية أو ثقافية.
-توفير حد أدنى كريم من الرعاية الصحية للمواطن المصرى.
-النهوض بالرياضة والتربية البدنية للمواطن.
-توفير السكن الكريم للمواطن المصرى.
-الضمان الاجتماعى للفقراء.
-النهوض بالمرأة.
-تحسين البيئة.
ويطرح برنامج حزب الجبهة الديمقراطية مسألة المشاركة وهى أحد المظاهر الأساسية للمواطنة فى فقرة كاملة.
المشاركة الوطنية أساس عقد اجتماعى جديد:
يرى الحزب أن أى عقد اجتماعى جديد بين الدولة ومواطنيها يهدف إلى زيادة المشاركة الوطنية وتقوية القدرات البشرية وتخفيض معدلات الفقر، لابد أن يتطلب دعوة المصريين باختلاف طبقاتهم وثقافتهم للمشاركة الفعالة فى تشكيل مستقبل مصر، ويؤكد الحزب على إمكانية تحقيق هذه الدعوة من خلال:
1-تفعيل حق الممارسة الوطنية لكل مواطن ومواطنة مصريين، وتحرير المشاركة المجتمعية من خلال تعزيز وتشجيع وتسهيل دور مؤسسات المجتمع المدنى والمنظمات الأهلية فى التكافل والترابط والتجانس الاجتماعى والوحدة الوطنية، وكذلك السماح للعمل الأهلى فى مجالات التطوير السياسى والاقتصادى والثقافى إلى جانب المجالات الاجتماعية والتعليمية والصحية.
2-احترام حرية إبداء الرأى والرأى الآخر، وتشجيع الحوار لتوسيع نطاق المعرفة بين كافة طوائف الشعب، وتنويع قدرات الشعب على اختيار ما يناسبه من سبل للإصلاحات والتقدم، والمشاركة فى صنع القرار على النحو الذى يقضى به الدستور.
3-تحرير المواطن من خوفه من تهديد أمنه ورزقه وإيجاد المناخ العام الملائم لوجود رأى عام قوى يعتمد بالدرجة الأولى على الطبقة المتوسطة المثقفة وهو مطلب أساسى لإحياء ضمير الشعب ووجدانه.
4-المساواة بين جميع الأفراد أمام القانون، وحرية التعبير والعقيدة، والتمتع بكافة الحقوق الإنسانية الواردة فى المعاهدات والوثائق الدولية.
5-اهتمام الدولة والمواطن على حد سواء بقيمة التعليم والثقافة والمعرفة وبأهمية الالتزام والكفاءة فى العمل وبضرورة التكافل الاجتماعى من أجل مناصرة الفقراء.
6-مواجهة التمييز والعنف ضد المرأة، والعمل على تغيير النظرة العامة والسلوكيات العامة تجاه تدنى الفرص المتاحة للإناث فى مجالات التعليم والرعاية الحية والاجتماعية وسوق العمل والأنشطة الرياضية ومراكز صنع القرار.
7-مساهمة كافة عناصر المجتمع المدنى فى حملة وطنية تهدف إلى القضاء على الأمية وتعليم الكبار وإلى تحسين الوعى فى مجال تنظيم الأسرة والاهتمام بالتعليم والصحة وأيضا ى مجالات الاقتصاد المنزلى وتحديد أولويات احتياجات الأسرة وترشيد الاستهلاك.
حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى: تناول حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى قضية المواطنة فى برنامجه السياسى العام (بناء مجتمع المشاركة الشعبية) وتكاد هذه القضية أن تكون الموضوع الأساسى لهذا البرنامج. وهناك إشارات عديدة فى البرنامج لمسألة المواطنة فى جوانبها المختلفة نكتفى هنا بإيراد نماذج لها:
-المشاركة الشعبية: وهى جوهريا اشتراك الجماهير فى اتخاذ القرارات على كل المستويات، وهذا ما يمكنها من إدارة شئونها بنفسها وفرض مصالحها فى معظم الأحوال وهذه المشاركة هى وحدها التى تخلق الدافع على العمل والإتقان فيه وبالتالى تسارع عمليات التنمية فى كل المجالات.وهى فى الوقت ذاته وسيلة للتوزيع العادل لثمرات التنمية، والمشاركة التى تصحح أخطاء صانعى القرار يجب أن تكون جزءا لا يتجزأ من الثقافة الديمقراطية فى المجتمع كله من الأسرة إلى المدرسة إلى المصنع إلى المستشفى إلى سياسة الدولة العليا.
-أحد المقومات الرئيسية للتنمية الوطنية المستقلة- بل والإطار الأمثل لإنجازها ومن ثم لبناء مجتمع المشاركة الشعبية الذى يهدف حزبنا لإقامته- هو تحرير البشر من القيود التى تحرمهم من المشاركة فى صنع القرارات التى تمس شئون حياتهم وشئون تجمعهم وتمكينهم من التمتع بهذه المشاركة من خلال المؤسسات الرسمية والأهلية على السواء.
-إن ديمقراطية المشاركة التى يستهدفها حزبنا ليست نظاما للحكم فحسب بل هى بالإضافة لذلك نظام للحياة يشمل مختلف جوانب المجتمع وشئونه، وهى تتضمن مقرطة المجتمع ومقرطة الدولة إلى جانب مقرطة الحكم. وتقوم ديمقراطية المشاركة على المقومات الأساسية التالية:
*احترام التعددية وبخاصة التعددية الاجتماعية الناجمة عن تعدد أشكال ملكية وسائل الإنتاج. وكذلك التعددية السياسية والفكرية والثقافية.
*قيام مجتمع مدنى قوى يتكون من منظمات مستقلة لمختلف فئات المجتمع، كالمنظمات السياسية والنقابية والثقافية والاجتماعية والجمعيات الأهلية.
*تأمين حد أدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يكون أساس التكافؤ فى القدرة السياسية.
*إقرار الحقوق والحريات والسياسية والمدنية.
*ثقافة ديمقراطية تقوم على قيم الاعتراف بالآخر والحوار الموضوعى والتسامح.
*تأكيد الوحدة الوطنية كقيمة مجتمعية تكفل حقوق المواطنة المتكافئة لجميع المواطنين، بعض النظر عن انتمائهم الدينى.
*إعلام ديمقراطى حر يكفل توافر المعلومات والفرص المتكافئة فى عرض الآراء المختلفة مع حرية تدفق المعلومات والآراء بدون قيود.
*حكم محلى شعبى حقيقى يكون بمثابة البنية التحتية الصلبة للنظام الديمقراطى على المستوى القومى.
-إقامة مجتمع المشاركة الشعبية يتطلب:
-إقرار حد أدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
-توفير الحقوق المدنية والسياسية.
-تنمية القدرات البشرية للفقراء.
-برنامج الإصلاح السياسى والديمقراطى: ويشمل تحقيق إرادة الشعب عبر انتخابات نزيهة، وحرية التنظيم السياسى والنقابى والديمقراطى.
-قضايا المرأة: كانت قضية تحرير المرأة، وما تزال، واحدة من الاهتمامات الرئيسية لحزب التجمع الذى يستهدف تحرير الإنسان، فالمرأة هى نصف المجتمع والنساء يشكلن نسبة مرتفعة من الفقراء والمهمشون والضعفاء، وهى تتعرض للقهر مرتين مرة ضمن الطبقات الشعبية ومرة أخرى لأنها امرأة. وضرورة تحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل فى المجتمع.
قضايا موضع اتفاق الأحزاب
اكتفينا هنا بنماذج من برامج بعض الأحزاب السياسية لموقفها من قضية المواطنة فعرضنا لموقف الحزب الحاكم وموقف ثلاثة أحزاب معارضة أحدها يسارى والآخران ليبراليان. وهناك دلائل على أن كثيرا من الأحزاب السياسية المصرية تتفق حول مفهوم المواطنة ومقوماتها ومن أمثلة هذا الاتفاق برنامج الإصلاح السياسى والدستورى الصادر عن مؤتمر (دفاعا عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان) المنعقد 8-10 ديسمبر 1997 بمناسبة مرور خمسين سنة على صدور الإعلان العالمى لحقوق الإنسان وقد صدر هذا البرنامج باتفاق كامل بين أحزاب الوفد- التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى- حزب الأحرار- حزب العمل- الحزب العربى الديمقراطى الناصرى- الإخوان المسلمون- الشيوعيون. جاء فى هذا البرنامج.
-ضمان الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين، وفى مقدمتها حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية وحرية الرأى والتعبير وتداول المعلومات والإبداع الفنى والأدبى والبحث العلمى، وحرية تكوين الجمعيات والتعدد الحزبى، وحق التظاهر والإضراب السلميين دون قيود أو شروط مانعة- وذلك فى نطاق المقومات الأساسية للمجتمع وحدود النظام والآداب العامة- والحق فى الحرية والأمان الشخصى وسلامة الجسد... وإلغاء كافة التشريعات التى تنتقص من هذه الحقوق والحريات.
-توفير ضمانات حرية ونزاهة الانتخابات، وإعادة الحق للمواطنين فى التعبير عن إرادتهم عبر صندوق الانتخابات.
-تحويل الإدارة المحلية إلى حكم محلى شعبى حقيقى.
-أطلاق حرية التنظيمات السياسية والنقابية والجمعيات الأهلية.
-إجراء تعديلات جذرية فى مناهج التعليم لتنمية التربية الديمقراطية فى المدرسة والمجتمع.
-المطالبة بسياسات اقتصادية واجتماعية تحرر المواطن المصرى من الفاقة والعوز والخوف وتضمن توزيعا عادلا للدخل القومى.
من هذا العرض لموقف الأحزاب السياسية من قضية المواطنة يتضح وجود قدر كبير من الاتفاق حول جوهر المواطنة وهو تمتع المواطنين بحقوقهم السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافة كاملة بدون أى تمييز بينهم على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الأساس الاجتماعى أو الموقف السياسى.
وهناك اتفاق أيضا بين الأحزاب السياسية على أن المواطنة ليست حقوقا فقط يتمتع بها المواطن بل هى واجبات ومسئوليات يقوم بها تجاه مجتمعه ووطنه، وتلتقى الاحزاب أيضا حول ضرورة حل مشاكل تعانى منها بعض فئات المجتمع وتحرمها من المساواة فى الحقوق والواجبات وخاصة المرأة والشباب.
ولما كانت المشاركة هى المظهر الأساسى لتمتع المواطنين بحقوقهم وممارستهم لمسئولياتهم وقيامهم بواجباتهم فإننا سوف نختتم بها هذا العرض لمفهوم المواطنة ومقوماتها وموقف الأحزاب السياسية منها.
المواطنة والمشاركة
يقول الدكتور السيد الزيات فى كتابه (التحديث السياسى فى المجتمع المصرى، دار المعرفة بالإسكندرية 1990) أن المشاركة السياسية هى عملية اجتماعية- سياسية طوعية أو رسمية تتضمن سلوكا منظما مشروعا ومتواصلا يعبر عن اتجاه عقلانى رشيد ينم عن الالتزام بحقوق المواطنة وواجباتها، والفهم الواعى لأبعاد العمل الشعبى وفعاليته ومن خلال هذه العملية يمارس المواطنون أدوارا وظيفية فعالة ومؤثرة فى ديناميات العملية السياسية ومخرجاتها، سواء من حيث اختيار الحكام، والقيادات السياسية على كافة المستويات، أم تحديدا لغايات عليا فى المجتمع ووسائل تحقيقها، أم المعاونة فى إدارة آليات العمل السياسى وتشكيله فضلا عن تنفيذه ومتابعته بالمتاح والمستحدث من ميكانيزمات الرقابة والضبط والتقويم.
وتعد المشاركة السياسية- على هذا الأساس- هى العصب الحيوى للممارسة الديمقراطية وقوامها الأساسى، والتعبير العملى الصريح لسيادة قيم الحرية، والعدالة، والمساواة فى المجتمع.
كما أنها تعد فوق هذا وذاك مؤشرا قوى الدلالة على مدى تطور، أو تخلف المجتمع ونظامه السياسى، وما يعنيه ذلك من ارتباط وثيق بينها وبين جهود التنمية بصفة عامة والتنمية السياسية على وجه التحديد.
ويتفق كثير من علماء ودارسى الاجتماع والسياسة مع الأفكار الرئيسية الواردة فى هذا التعريف للمشاركة السياسية ودلالاتها وأن كان البعض يفضل صياغات موجزة ومبسطة للتعريف مثل هربرت ماكلوسكى الذى يصفها بأنها "تلك الأنشطة الإرادية التى يزاولها أعضاء المجتمع بهدف اختيار حكامهم وممثليهم والمساهمة فى صنع السياسات والقرارات بشكل مباشر أو غير مباشر "وأيا كان الاختلاف أو الإتفاق حول تعريف المشاركة السياسية فهناك إجماع على ما يلى:
1-المشاركة السياسية هى دور يقوم به المواطن بشكل فردى أو جماعى فى مجال تشكيل أجهزة الحكم وصنع السياسات العامة والأهداف الأساسية للمجتمع وتحديد أولوياتها.
2-الهدف من المشاركة السياسية هو الضغط أو التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر على الحكام فى صياغة القرار السياسى ويتوقع المواطن أن ينتج عن ذلك مصلحة شخصية له أو للفئة الاجتماعية التى ينتمى إليها أو للمجتمع ككل.
3-تنضج المشاركة السياسية وتستقر بتحقيق الهدف منها عندما تتوافر فى المجتمع المؤسسات التى تمارس من خلالها هذه المشاركة وبصفة خاصة التنظيمات السياسية، والاجتماعية والمجالس الشعبية، والمحلية.
يتضح من هذا أن المشاركة السياسية لا تولد أو تنشأ مكتملة الأركان وهى لا توجد فى كافة المجتمعات بنفس الصورة بل هى لم تكن كذلك فى أية مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشرى، فهى تنشأ فى هذا المجتمع أو ذاك حسب علاقات القوى فى هذا المجتمع ومدى توافر الإطار المناسب لوجودها ونضجها وفى كثير من الحالات فإن المشاركة السياسية تبدأ على استحياء وبشكل ضعيف ثم ما تلبث أن تتطور وتكتسب قدرة متزايدة مع توافر المزيد من العوامل المواتية. والمشاركة السياسية هى فى حقيقتها عملية تاريخية ذات أبعاد اقتصادية اجتماعية ثقافية سياسية وتتطلب من القائمين عليها قدرا كبيرا من الصبر والتحلى بروح المسئولية، وتفهم العوامل الموضوعية المعاكسة وكيفية تصفيتها من خلال التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وليس فقط من خلال المواجهة قصيرة النفس، ونحن نلاحظ أن نضج المشاركة السياسية فى الدول الرأسمالية المتطورة استغرق أكثر من مائتى سنة وتطلب تضحيات جسيمة ومواجهات صعبة بين الحكام والشعوب كما نلاحظ أن دول الجنوب تسير نحو مزيد من المشاركة السياسية وأن كان ذلك يتم بدرجات متفاوتة وقد حققت الهند قدرا كبير من النجاح والاستقرار فى هذا الصدد ولعل النجاح فى هذا هو السبب الأساسى لقدرة الهند على مواجهة مشاكلها الطائفية والاقتصادية الحادة، وهى المثل والنموذج لغيرها من الدول الفقيرة وتنعش الأمل فى كثير من المجتمعات بإمكانية تحقيق ذلك خلال فترة وجيزة، يعزز هذا الأمل أن العالم قد تحول بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة إلى قرية صغيرة يعرف كل من يعيش فيها ما يدور فى شتى أرجائها وتتطلع الشعوب إلى مزيد من التقدم والتمتع بدور أكثر فى إدارة المجتمع وهناك فى الوطن العربى كثير من الأمثلة على هذه الحقيقة حيث تحولت كثير من نظم الحكم إلى نوع من التعددية السياسية وحظيت الصحافة فى كثير من الأقطار العربية بدرجة كبيرة من الحرية والتنوع وتشكل العديد من المنظمات الاجتماعية والمجالس الشعبية والمحلية.

أهم أشكال المشاركة السياسية
تتعدد صور وأشكال المشاركة السياسية فهى يمكن أن تتم بصورة رسمية من خلال مؤسسات الحكم والإدارة، أو بصورة غير رسمية من خلال الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدنى وجماعات المصالح، وهى يمكن أن تتم بصورة سلمية تماما أو تصاحبها درجات متفاوتة من العنف أو النشاط غير القانونى وبشكل عام فإنه يمكن أن تندرج مختلف أشكال المشاركة السياسية فى إطار ثلاثة أقسام رئيسية:
القسم الأول: المشاركة السياسية السلمية التقليدية
وتتضمن كل أشكال المشاركة من خلال نشاط سلمى قانونى مثل:
-التصويت فى الانتخابات البرلمانية والمحلية.
-المشاركة فى الحملات الانتخابية بالدعاية والتمويل.
-الترشيح للمناصب السياسية.
-الانضمام إلى الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، والعمالية، والجمعيات الفكرية، وجماعات المصالح.
-متابعة الأمور السياسية والتعرف على تطوراتها.
-الدخول مع الغير فى مناقشات حول القضايا السياسية.
-حضور الندوات والمؤتمرات الجماهيرية والاجتماعية العامة.
ومن الواضح أن أهم أشكال المشاركة السياسية تدور حول الانتخابات البرلمانية والمحلية سواء من خلال الترشيح أو التصويت أو الدعاية، أو التمويل، وكلما أجريت الانتخابات فى مواعيد دورية منتظمة كلما ساعد ذلك على ممارسة المواطنين لدورهم فيها، كما أن نظام الانتخابات نفسه يلعب دورا مؤثرا فى المشاركة حيث أنه كلما ابتعدت الانتخابات عن التعقيد وأجريت بأسلوب يسهل على المواطن فهمه وممارسته كلما كانت مشاركة المواطن فعالة وواسعة ولا يقل عن ذلك أهمية مدى احترام حرية الناخب فى التصويت، وسلامة فرز الأصوات والأمانة فى إعلان النتائج بحيث تعبر بدقة عن إرادة الناخبين فهذه كلها أمور تشجع على المشاركة.
القسم الثانى: الاحتجاج الجماعى
يعتبر الاحتجاج الجماعى درجة أكثر قوة فى ممارسة المشاركة السياسية ويتضمن أشكالا متعددة من الممارسات الجماعية السلمية التى ترمى إلى إعلان عدم الرضاء، والسخط إزاء النظام السياسى أو إزاء بعض السياسات والقرارات التى اتخذها أو يزمع اتخاذها. ويتميز الاحتجاج الجماعى بالطابع السلمى فلا يتخلله أعمال عنف، كما يتميز بالطابع الجماعى فتشارك فيه قطاعات واسعة من السكان قد تشمل فئات اجتماعية بأكملها كالطلبة أو العمال أو الفلاحين. ويكون هدفهم من هذه التحركات الجماعية الضغط على الحكم للتجاوب مع مطالبهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية. من هنا فإن اللجوء إلى المظاهرات السلمية والإضرابات والاعتصامات داخل مواقع العمل أو النشاط ورفع اللافتات هى أنسب الوسائل لممارسة الاحتجاج الجماعى لما لها من تأثير فعال وعاجل يؤدى غالبا إلى تحقيق مطالب المشاركين فيها. ورغم ما قد يصاحب أعمال الاحتجاج الجماعى من توتر وحدة قد يصل إلى حد المواجهة بين المشاركين فيها وقوات الأمن إلا أنها تعتبر ضمن الأنشطة الديمقراطية السلمية وهى وسائل مشروعة معترف بها فى المعاهدات الدولية والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمل النقابى وغالبا ما تعترف بها الدساتير والقوانين وتنظم ممارستها بما يجنبها الوقوع فى العنف.
القسم الثالث: العنف السياسى
ونقصد به مختلف السلوكيات التى تتضمن استخداما فعليا للقوة أو تهديدا باستخدامها لإلحاق الاذى والضرر بالأشخاص وإتلاف الممتلكات وذلك لتحقيق أهداف سياسية مباشرة أو أهداف اقتصادية واجتماعية لها دلالات وأبعاد سياسية، ويمارس المواطنون هذا العنف السياسى بشكل فردى أو جماعى وقد يكون عفويا أو منظما تقف خلفه جماعات سياسية ويدخل ضمن أنشطة العنف السياسى:
-أحداث الشغب التى تقوم بها جماعات من المواطنين ضد رموز النظام.
-حالات التمرد الشاملة أو الجزئية.
-الاغتيالات لشخصيات أو محاولات الاغتيال.
-الانقلابات ضد نظم الحكم أو محاولات الانقلاب.
وبالرغم من التفرقة نظريا بين الاحتجاج الجماعى والعنف السياسى إلا أننا نلاحظ فى الواقع، وفى كثير من الحالات أن الاحتجاج الجماعى غالبا ما يكون هو الخطوة التمهيدية التى تسبق اللجوء للعنف السياسى إذا ما تأكد المواطنون أن النظام لا يتجاوب مع مطالبهم، وأنه لا مفر من تصعيد المواجهة بقوة لاجبار الحكم على الاستجابة لمطالبهم، ونحن نلاحظ التداخل بين أشكال الاحتجاج الجماعى والعنف السياسى فى كثير من الحالات، ويرجع ذلك إلى أسباب متعددة فى مقدمتها ضعف التنظيمات السياسية التى قد تنجح فى إثارة الجماهير ولكنها تعجز عن قيادتها فى اتجاه أهداف محددة مسبقا، وكثيرا ما تحولت نتيجة لذلك المظاهرات والإضرابات السلمية إلى أعمال شغب ومواجهات دامية خاصة عندما تتعرض للقمع من قوات الأمن ولا تكون هناك استجابة لمطالبها.
يبدأ الطريق إلى العنف السياسى عندما تسد السبل أمام المواطنين للمشاركة السياسية من خلال الوسائل الديمقراطية السلمية أو تكون هناك فى نفس الوقت مشاكل حادة فى المجتمع اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية.
أمامنا مثال واضح لذلك فى البانيا أفقر دول أوروبا التى أخذت بالتعددية السياسية بعد انهيار النظام الشيوعى وفشلت سياستها الاقتصادية فى تحسين أحوال المواطنين ولم يتطور النظام السياسى بالقدر الذى يكفى لتوفير المشاركة السياسية الكاملة للمواطنين لاختيار رئيس وأعضاء البرلمان، فنشأت حركة احتجاجية واسعة النطاق انتهت إلى ممارسة العنف السياسى على نطاق واسع ونشوء حالة تمرد عامة لم تتوقف إلا بعد تدخل الاتحاد الأوروبى، والتعهد بإجراء انتخابات تشريعية جديدة تحت رقابة دولية، وفى الجزائر مثال أخر حيث انفجر العنف السياسى بعد عجز النخبة الحاكمة عن حل المشكلة الاقتصادية وما ترتب عليها من مشاكل اجتماعية خطيرة، والوعد بإصلاحات سياسية واسعة فى اتجاه التعددية السياسية الواسعة من خلال الأحزاب والنقابات، ولكنها ما لبتث أن اصطدمت بقرار الحكومة الخاص بإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، وكان التضييق على المشاركة السياسية بوسائل سلمية المدخل إلى اللجوء لأعمال العنف الذى وجد أرضية مواتية بسبب الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الخانقة، وانتشار الفساد فى دوائر الحكم على نطاق واسع، وقد نجحت قوى الإسلام السياسى فى استثمار هذا المناخ لتعبئة قطاعات واسعة من المواطنين وخاصة الشباب وجذبهم إلى مجال الممارسات العنيفة.

المراجع
-دستور جمهورية مصر العربية سنة 1971.
-برنامج الرئيس محمد حسنى مبارك للترشيح برئاسة الجمهورية.
-أوراق السياسات بالحزب الوطنى الديمقراطى.
-البرنامج السياسى لحزب الوفد- نوفمبر 1977.
-برنامج حزب الجبهة الديمقراطية (المبادئ- الأهداف، البرنامج) فبراير 2007.
-برنامج حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى (بناء مجتمع المشاركة الشعبية) 1998.
-كتاب المشاركة- مدخل لبناء روح المواطنة، الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية- إعداد جورج إسحاق، د. عماد صيام- سلسلة إصدارات تربوية، القاهرة الطبقة الثانية 2007 رقم الإيداع 7507/2007.
-كتاب التعليم والمواطنة، واقع التربية المدنية فى المدارس المصرية، مصطفى قاسم تقديم د. أحمد يوسف سعد، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، سلسلة أطروحات جامعية 6. القاهرة، الطبعة الأولى 2006. رقم الإيداع 13771/2006.
-كتاب التحديث السياسى فى المجتمع المصرى، د. السيد الزيات، دار المعرفة بالإسكندرية 1990.
-د. مصفى كامل السيد (محرر)، حقيقة التعددية السياسية فى مصر، مكتبة مدبولى، القاهرة. وبصفة خاصة الدراسات الآتية:
الاحتجاج الجماعى والعنف السياسى د. حسنين كشك.
المشاركة من داخل الأحزاب السياسية: د. محمد شومان.