الأحد، 21 ديسمبر 2008

المواطنة >>>المفهوم ـ الشروط ـ الأبعاد


ورقة مقدمة من / د . نرمين الصابر
يعد مصطلح المواطنة من المصطلحات السياسية الحية والمتحركة ذات الصيرورة التاريخية المستمرة مما يجعل من الصعوبة وضع تعريف لها ، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أنه يمكن استخدامه دون دلالة ملزمة تسمح من للمتحدث والمستمع في آن واحد أن يصلا معا ، إلا مفهوم محدد ومشترك يتعدى فهم كل منهما للأخر إلى فهم الآخرين المعنيين باستخدام المصطلح داخل البلد نفسه وخارجها أيضا " 1 " .
فدائرة المعارف البريطانية .. تشير إلى المواطنة بأنها :
علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة ، وهي ـ المواطنة ـ تدل ضمن على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات ، وعلى الرغم من أن الجنسية غالباً ما تكون مرادفة للمواطنة حيث تضمن علاقة بين الفرد والدولة إلا أنها تعني امتيازات آخري خاصة ، منها الحماية في الخارج .
وعلى وجه العموم فالمواطنة تسبغ على المواطن حقوق سياسية مثل حق الانتخاب وتولي المناصب العامة . وتذكر موسوعة الكتاب الدولي .. أن المواطنة
(CITIZEN SHIP ) :
هي عضوية كاملة في دولة أو في بعض وحدات الحكم ـ وهي هنا لا تفرق بين المواطنة والجنسية ـ وتؤكد أن المواطنين لديهم بعض الحقوق مثل حق التصويت وحق تولي المناصب العامة وكذلك عليهم بعض الواجبات مثل دفع الضرائب والدفاع عن بلدهم .
وتعرف موسوعة كولير الأمريكية.. كلمة المواطنة :
وتقصد بها مصطلح المواطنة ومصطلح الجنسية دون تمييز ـ بأنها أكثر أشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالا .
وتطرح دراسة Derek Heaterو Dawn Oliver.. حول مقومات المواطنة رؤية تتلخص فيما يلي :
1- المواطنة تجسيد لنوع من الشعب ، يتكون من مواطنين يحترم كل فرد منهم الفرد الأخر ، ويتحلون بالتسامح تجاه التنوع الذي يزخر به المجتمع
2- من أجل تجسيد المواطنة في الواقع ، على القانون أن يعامل ويعزز معاملة الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع ، على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوع بين الأفراد والجماعات . وعلى القانون أن يحمي ويعزز كرامة واستقلال الأفراد وأن يقدم الضمانات القانونية لمنع أي تعديلات على الحقوق المدنية والسياسة وعليه أيضاً ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الأنصاف . كما أن على القانون أن يمكن الأفراد من أن يشاركوا بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم وأن يمكنهم من المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون أليها . ( 2 ) .
ويرى " سمير مرقس " أن المواطنة تحمل في جوهرها المساواة بين الجميع وكذلك التمتع الطبيعي بالحقوق بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والتي تعد النصوص الدستورية والقانونية تعبيرات عنها يتم التوافق عليها بين المواطنين لكفالة وتنظيم المساواة من جهة ووصول الحقوق لهؤلاء المواطنين من جهة أخرى . ( 3 ) .
ويعرفها د . " إسماعيل صبري عبد الله " على أنها التمكن الفعلي من المشاركة في صنع القرار على مختلف مستويات اتخاذ القرارات داخل مجتمع معين وليس مجرد تصويت ولكن المشاركة ، فالمواطنة تعني أن يكون لك رأيا فيما يتخذ من قرارات تمسك . ( 4 ) .
ويرى " على خليفة الكواري " إن تعريف المواطنة في الدول الديمقراطية ـ الغربية ـ يربطها بالجنسية أو يخلط بينهما حيث أن يحمل جنسية الدولة من البالغين الراشدين يتمتع تلقائيا بحقوق المواطنة فيها ، ألا أن هذا الوضع ليس نفسه في الدول الغير ديمقراطية حيث تكون الجنسية مجرد " تابعيه " لا تتوفر لمن يحملها بالضرورة حقوق المواطنة السياسية . ( 5 ) .
مما جعل محاولات تعريف المواطنة في هذه الدول أكثر ارتباطا بتفعيل المواطنة وتحقيقها فعلياً على أرض الواقع ، إلا إن ذلك لا ينفي اشتراط الجنسية للتمتع بها ، حيث يرى د . " ويليام سليمان قلادة " إن صفة المواطنة لا تكون إلا لمن تكون له طبقا للدستور والقانون الحقوق السياسية للإنسان ، أي أن المواطن هو الذي يشارك في حكم بلاده أما الأفراد المقيمون على أرضها والذين يجبرون على الانصياع للأوامر الصادرة دون أن يسهموا بشكل ما في إعدادها وإصدارها مثل : الأجانب ، هؤلاء السكان مع إمكانية تمتعهم بحقوق الإنسان المدنية لا يمكن اعتبارهم مواطنين أي أعضاء أصلا في الجماعة السياسية يساهمون في توجيه حياتهم . ( 6 ).
وهو هنا يغفل سكان الدولة الذين لا يحوزون جنسيتها كما لا يحوزون جنسية دولة أخرى والمقيمين على أرض هذه الدولة .
وعلى الرغم من الاختلاف الجزئي بين هذه التعريفات المختلفة للمواطنة ألا أنها تتفق جميعاً على ارتكاز المواطنة على أساسين هما :
1. المشاركة في الحكم من جانب .
2. والمساواة بين جميع المواطنين من جانب أخر .
وذلك في إطار من الحقوق الواجبات المتبادلة بين المواطنة ودولته .

شروط المواطنة :
يرصد " على خليفة الكواري " في دراسته حول مفهوم المواطنة في الدول الديمقراطية 3 تحولات كبرى متدخلا متكاملة مرت بها التغيرات السياسية التي أدت إلى إرساء مبادئ المواطنة في الدولة الديمقراطية المعاصرة ، وهي :
1- تكوين الدولة القومية
2- المشاركة السياسية وتداول السلطة سلمياً .
3- إرساء حكم القانون .
4- إقامة دولة المؤسسات .
فالدولة القومية الحديثة في دائرة الحضارة الغربية تكونت نتيجة صراع الملوك مع الكنيسة وسعيهم لنزغ حق السيادة منهم ، حيث بدأ هذا الاستقلال يتحقق نتيجة لحركة الإصلاح الديني التي أدت إلى تخفيف قبضة الكنيسة على الملوك وما تبعهم من إقرار مبدأ تبعية كل رعية لدين ملكهم ، وذلك إلى جانب ظهور الاختراعات التي مكنت الملوك من حماية أطراف ممالكهم بالإضافة إلى النزعة القومية في دول أوربا وهو ما أدى إلى ظهور الدول القومية في أوربا .
وظهرت بعد ذلك المشاركة السياسية بدءا من القول المشهور " لا ضرائب بدون تمثيل " ، وتطور الأمور حيث أنقسم التطور الديمقراطي إلى مسارين :
1- مسار الصلاح الذي مثلته التجربة البريطانية ، بما تضمنه من تمثيل نيابي .
2- ومنهج العنف الذي مثلته الثورات الأمريكية والفرنسية اللتان جعلتا الأمة هي صاحبة السيادة بدلا من الملك .
والعمل الثالث الذي أرسا أسس المواطنة المعاصرة كان يتمثل في حكم القانون وصولاً إلى المساواة أمامه والذي بدأ باهتمام الدولة القومية في أوربا بإصدار القوانين وتطور بأفكار عصر النهضة والتنوير إلى المساواة أمام القانون وفكرة العقد الاجتماعي والحكم الدستوري ، وتحويل الدولة إلى مؤسسة منفصلة عمن يحكمها .
وبقيام الثورتين الأمريكية والفرنسية وتحولهما إلى جمهوريتين انتقلت السلطة إلى الشعب باعتباره مصدر السلطات ، أما بريطانيا فانتقلت السلطة فيها إلى البرلمان.
ومنذ نهاية القرن 18 بدأ مفهوم المواطنة فى الأتساع ليشمل فئات المواطنين البالغين سن الرشد من الجنسين ، فضم المرأة على سبيل المثال . كما اتسعت رقعت ممارسته جغرافياً وتعددت لإبعاده اقتصادياً واجتماعيا وبيئياً إضافة للجانب السياسى (7) .
ويؤكد "على خليفة الكوارى" على أن الحد الأدنى لاعتبار دولة ما مراعية لمبدأ المواطنة فى الوقت الحاضر من عدمه يتمثل فى وجود شرطين جوهريين : (8) :
1- زوال وجود مظاهر حكم الفرد أو القلعة من الناس وتحرير الدولة من التبعية للحكام وذلك باعتبار الشعب مصدر السلطات وفق شريعة دستور ديمقراطى ومن خلال ضمانات مبادئه ومؤسساته وآلياته الديمقراطية على أرض الواقع .
2- اعتبار جميع السكان الذين يتمتعون بجنسية دولة أخرى المقيمين على أرض الدولة وليس لهم فى الحقيقة وطن غيرها ، مواطنين متساويين فى الحقوق والواجبات يتمتع كل فرد منهم بحقوق والتزامات مدنية وقانونية متساوية ، كما تتوفر ضمانات وإمكانيات ممارسة كل مواطن لحق المشاركة السياسية الفعالة وتولى المناصب العامة .

"إبعاد مفهوم المواطنة" :
عند توافر الشروط السابقة يمكن تحقيق المواطنة على أرض الواقع بأبعادها التى تشمل جانب الحقوق القانونية والدستورية وضمانات المشاركة السياسية الفعالة ، فإنما تشمل أيضاً الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى تمكن المواطن من التعبير عن رأيه ومصالحه بحرية مثل التقارب فى الدخل والثروة والمكانة الاجتماعية والتعليم ومهارات الوصول إلى المعلومات البديلة التى تسمح للمواطن بالحصول على المعلومات من مصادر مختلفة متنافسة كما يجب أ، تشمل هذه الأبعاد كشرط لتحقيق المواطنة حداً أدنى من المسئولية المجتمعية تجاه تنمية فرص العمل والرعاية الاجتماعية فى حالة العجز والبطالة ومن أجل التعليم والصحة والتنمية الثقافية .
وجدير بالتأكيد أن الجوانب المدنية القانونية والسياسية من حقوق المواطنة وواجباتها ليست كافية للتعبير عن مبدأ المواطنة رغم كونها لازمة لذلك – فإلى جانبها تعد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والحقوق البيئية ضرورية حتى يكون للمواطنة معنى ويتحقق بموجبها انتماء المواطن وولائه لوطنه وتفاعله الإيجابى مع مواطنيه نتيجة القدرة على المشاركة الفعلية والشعور بالإنصاف وارتفاع الروح الوطنية لديه عند أداء واجباته فى الدفاع عن الوطن ودفع الضرائب والمساهمة فى صنع الحضارة الإنسانية . (9) .

الهوامش:
1- على خليفة الكوارى : مفهوم المواطنة فى الدولة الديمقراطية ، مجلة المستقبل العربى ، ع2 ، سنة 2001م ، ص 123 .
2- المرجع السابق – ص 118 ، 119.
3- السيد ياسين : المواطنة فى زمن العولمة ، سلسلة المواطنة ، رقم5 ، (القاهرة : المركز القبطى للدراسات الاجتماعية ، 2002م ) ص 54 .
4- إسماعيل صبرى عبد الله ، وليم سليمان قلادة ، محمد سليم الغوا : المواطنة " تاريخياً – دستورياً – فقهياً " ، سلسلة المواطنة ، رقم1 ، ص23 .
5- على خليفة الكورى : مرجع سابق ، ص118 .
6- إسماعيل صبرى عبد الله وآخرون : مرجع سابق ، ص25.
7- على خليفة الكورى : مرجع سابق ، ص113 – 117.
8- المرجع السابق: ص124.
9- المرجع السابق : ص124 – 125 .

ليست هناك تعليقات: