الاثنين، 22 ديسمبر 2008

المواطنة من المنظور الحقوقي و السياسي

إعداد
د/ هويدا عدلي
خبير أول
بمركز الدراسات و البحوث الاجتماعية و الجنائية
يعد مفهوم المواطنة احد المفاهيم الرئيسية فى الفكر الليبرالى منذ تبلوره فى القرن السابع عشر كنسق للأفكار والقيم تم تطبيقه فى الواقع الغربى. وهو يمثل الرابطة الأساسية بين الفرد والدولة. وفى الواقع أن مفهوم المواطنة فى الفكر الليبرالى لم يكن أبدا مفهوما جامدا بل شهد تغيرات وتحولات عديدة فى مضمونه واستخداماته فى الأدبيات الليبرالية بمدارسها المختلفة واتسع نطاقه من الدلالة السياسية القانونية إلى الدلالة المدنية الحقوقية ثم إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

المواطنة هى تمتع الشخص بحقوق وواجبات على قدم المساواة مع باقى شركائه فى الوطن وقدرته على ممارسة هذه الحقوق وهو ما يعرف بالدولة القومية الحديثة التى تستند إلى حكم القانون. وعلى هذا فمفهوم المواطنة يختلف عن مفهوم الرعية، ففى دولة المواطنة، جميع المواطنين متساوون فى الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم بسبب الاختلاف فى الدين أو النوع أو اللون أو العرق أو الموقع الاجتماعى. وبالتالى فمن المفترض أن يحقق القانون المساواة داخل المجتمعات. كما أن هذه المواطنة تعبر عن نفسها على ارض الواقع فى مشاركة المواطنين فى الشأن العام . وعلى صعيد أخر لاتكتمل المساواة القانونية والمشاركة السياسية إلا من خلال وضع اجتماعى اقتصادى يحقق للمواطن احتياجاته الأساسية. أذن نحن أمام مفهوم متعدد الأبعاد ولايمكن الاستغناء عن اى من أبعاده، بل انتهاك احد هذه الأبعاد يقوض من فكرة المواطنة ككل.
فى دراسة عن تطور المواطنة فى المجتمعات الليبرالية، يحدد مارشال ثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى تمثلت فى ترسيخ الحقوق القانونية فى القرن الثامن عشر ثم تبعتها الحقوق السياسية فى القرن التاسع عشر وبالأخص الحق فى الانتخاب. أما المرحلة الثالثة فقد برزت فى القرن العشرين وذلك من خلال التوسع فى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتى توجت بدولة الرفاهة الاجتماعية. وعلى هذا يمكن القول أن مفهوم المواطنة تطور فى الخبرة الأوربية وفقا لتسلسل زمني،بدأ فيه بالقانونى ثم السياسى ثم الاجتماعى، اى الحصول على المساواة القانونية وضمانات المحاكمة العادلة ثم الحق فى المشاركة السياسية، وأخيرا أخذ مفهوم المواطنة أبعادا اقتصادية واجتماعية. والأمر الجدير بالذكر أن هذا التطور الذى استغرق ما يقرب من ثلاثة قرون كان نتاج صراع اجتماعى وسياسى بين المواطنين من ناحية والسلطة الحاكمة من ناحية أخرى، وأيضا بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. كما أن هذا الصراع فى الواقع والذى اتسم بالعنف فى بداياته تهذب تدريجيا واتخذ شكلا سلميا لاعتبارات برجماتية فى المراحل المبكرة ثم شكلا ديمقراطيا لاعتبارات ايديولوجية فيما بعد. وعلى هذا يمكن القول أن الصراع من اجل المواطنة كان فى الحقيقة صراعا أيضا من اجل الديمقراطية. وكان هذا هو السياق الذى صدر فيه الإعلان العالمى لحقوق الانسان والذى نص فى مادته الأولى على الحرية (الديمقراطية) والمساواة (المواطنة) "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين فى الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء. وفى المادة الثانية ينص الاعلان على أن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة فى هذا الإعلان دونما تمييز من اى نوع، ولاسيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الراى السياسى وغير السياسى أو الأصل الوطنى أو الاجتماعى أو الثروة أو المولد أو اى وضع أخر.

وعلى هذا لابد من التأكيد أن هناك علاقة وثيقة بين الديمقراطية والمواطنة، فالديمقراطية هى نظرية ممارسة المواطنة، والمواطنة هى علاقة سياسية تعرف وتحدد معنى الديمقراطية، واى أزمة يتعرض لها أحد المفهومين تعتبر أزمة للآخر.

يشهد مفهوم المواطنة فى الخطاب الليبرالى الغربى المعاصر مراجعة واهتماما كبيرا وأبعاد جديدة فى ظل ما يحدث من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية فى العقود الثلاثة الأخيرة على مستوى الداخل والخارج فى المجتمعات الغربية. وكان على رأس هذه التحولات الرهان أو التحدى الذى أصبحت تمثله ظاهرة التعددية الثقافية فى تلك المجتمعات. مما يشير إلى أن مفهوم المواطنة ليس مفهوما جامدا أو استاتيكيا ولكن ديناميكيا ومتغير وفقا للتطورات والمستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تظهر فى المجتمعات المختلفة.

اختلفت مسيرة المواطنة فى الخبرة المصرية عن الخبرة الأوربية، فلم تمض فى اتجاه تصاعدى كما حدث فى الخبرة الاوربية، بل كانت تتقدم أحيانا فى ظروف تاريخية معينة ثم تعود وتتقهقر مرة أخرى. يحدث التقدم عندما تظهر حركة سياسية تتبنى خطاب المواطنة وتسعى لنشره بين الجماهير، وتتراجع عندما يظهر خطاب مناقض. وهذا هو أحد الاسباب الرئيسية التى تجعل قضية المواطنة من القضايا الجدالية الكبرى فى المجتمع المصرى. وعلى هذا فإن تكريس فكرة المواطنة يحتاج إلى جهد دؤؤب من اجل تأصيل المفهوم وإرساء جذوره داخل المجتمع. وعلى صعيد أخر، فإن التعاطى مع مفهوم المواطنة سواء من قبل النخب الحاكمة أو حتى بعض جماعات المثقفين اتسم بالتجزئة، بمعنى التركيز على جانب واحد واعتباره هو جوهر المواطنة. ففى الخمسينيات والستينيات حدث إنجاز على المستوى القانونى والاقتصادى والاجتماعى مع تجاهل الجانب السياسى اى المشاركة الفعلية فى العمل السياسى، ثم جاءت السبعينيات لتطيح بالإنجاز الذى حدث على المستوى القانونى عندما تبنى السادات توجها إسلاميا فى محاولة لمناهضة التيارات الشيوعية والناصرية، ورغم برجماتية وماكيافلية المحاولة إلا إنها أسفرت فى نهاية الثمانينيات وما تلاها من عقود عن إحياء المشروع الاسلامى كمشروع مناهض للمشروع الوطنى اى فكرة الأمة الإسلامية كبديل لمفهوم المواطنة. وجاءت التسعينيات وما بعدها لتلقى بظلال كئيبة على فكرة المواطنة بكل أبعادها القانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ابسط معانى المواطنة هو أن تكون عضوا فى مجتمع سياسى معين ودولة بعينها، القانون يؤسس شرعية الدولة من ناحية ويخلق المساواة بين المواطنين من ناحية ثانية، ويرسى نظاما عاما من الحقوق والواجبات، تسرى على الجميع دون تفرقة من ناحية ثالثة. وعادة ما تكون رابطة الجنسية معيارا أساسيا فى تحديد من هو المواطن. يترتب على المواطنة القانونية أنماط من الحقوق والواجبات: السياسية والمدنية -الاقتصادية والاجتماعية. تشمل الحقوق السياسية الحق فى الانتخاب والترشيح والتنظيم. تنطوى الحقوق المدنية على كل الحريات الشخصية، والحق فى الأمان، والخصوصية والاجتماع والحصول على المعلومات، فضلا عن حرية الاعتقاد والتعبير. وفى قلب الحقوق المدنية تأتى حرية تشكيل تنظيمات مدنية وحرية الانتقال والحق فى محاكمة عادلة. أما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فتشمل الحق فى العمل والتعليم والسكن والملكية وغيرها.

المواطنة ليست معنى قانونى فحسب، ولكنها أيضا ممارسة وواقع. فلا معنى لحق قانونى منصوص عليه دون القدرة على ممارسة هذا الحق. من أساسيات المواطنة المشاركة فى الحياة العامة، وعادة ما يشار إلى ذلك بالمواطنة الفاعلة، وتشمل مجالات كثيرة مثل القدرة على الترشيح والتصويت فى الانتخابات بحرية، والحق فى انتخابات حرة ونزيهة وغيرها من الآليات الديمقراطية المؤسسية. ومن مضامين المواطنة أيضا حق كل مواطن فى الحصول على فرص متساوية ويتطلب ذلك توفير الخدمات العامة للمواطنين وبخاصة الفقراء والمهمشين وتمكينهم من النفاذ الى الخدمات الأساسية .

إن ما سبق يرتبط بقضية هامة وهى العضوية السياسية اى العضوية فى مجتمع سياسى معين، وهو مايعادل الانتماء الوطنى وليس مجرد الإقامة فيه. فقد يقيم المواطن فى وطنه ولايشعر بالانتماء نتيجة عدم حصوله على حقوقه أو بسبب ما يواجه من تمييز على ارض الواقع.

تشكل قضية المواطنة واحدة من ابرز القضايا على أجندة الجدل والحوار السيايى فى المجتمع المصرى وذلك لارتباطها الوثيق باى تحول ديمقراطى حقيقى. وإذا كان لايمكن ممارسة حقوق المواطنة بدون رسوخ ثقافة المواطنة فى الوعى الاجتماعى العام، فمن المؤكد أن عملية بناء الوعى العام بحقوق المواطنة يتطلب منظمات قوية وفاعلة وقادرة على نشر ثقافة المواطنة والديمقراطية ورصد اى انتهاكات لحقوق المواطنة. فالتحول الديمقراطى الحقيقى هو الارضية الأساسية التى تقوم عليها فكرة المواطنة. وطالما هناك قيود على هذا التحول، ستظل قضية المواطنة قائمة بدون حسم.

وأذا سعينا لتلمس بعض مؤشرات انتهاك المواطنة فى مصر، سنجد كم كبير من المؤشرات القانونية والسياسية والاقتصادية وغيرها. فعلى سبيل المثال، يحد الوضع الاقتصادى من حرية تمتع المواطن بحقوق المواطنة، ومن ثم قدرته على المشاركة فى الشأن العام. فلايتمتع الفقراء بحقوق المواطنة كاملة، والسبب فى ذلك يعود إلى ضعف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم ومواجهة اى تمييز يواجههم وعدم امتلاكهم قنوات واليات توصيل مطالبهم لصانعى القرار. وفى المقابل نجد الاكثر ثراء هو الاقدر على المطالبة بحقوقه بل والضغط فى سبيل الحصول عليها. وفى الحالة المصرية هناك مشكلات حقيقية تتعلق بممارسة المواطنة الاجتماعية سواء فيما يتعلق بتفشى الفقر وتأكل الطبقة الوسطى أو ما يطلق عليهم الفقراء الجدد، وتردى الخدمات المقدمة للمواطنين وتزايد معدلات البطالة. والمشكلة فى هذا السياق أن المجتمع المصرى يواجه حالة تتعمق يوما بعد يوم وهى ارتباط المواطنة بالثروة، فمن يملك يستطيع أن يتمتع بحقوق المواطنة والعكس صحيح. ومن يملك المال يستطيع أن يجد معاملة أفضل على يد مؤسسات الدولة وغيرها من المؤسسات.

يرتبط تحقيق المواطنة السياسية اى المشاركة فى الحياة العامة بالمواطنة الاجتماعية اى التمتع بالوضع الاجتماعى اللائق، فإذا تضاءلت القدرات المالية للشخص، فإن هذا يدفعه إلى العمل ليلا نهارا لتوفير احتياجاته الضرورية ولن يجد وقتا لممارسة العمل السياسى . وإذا كان الترشيح فى الانتخابات ومايرافقه من إنفاق مالى مذهل على الحملة الانتخابية أصبح احد الاشتراطات الاساسبة للعب دور سياسى فى المجتمع، فإن الفقراء بالضرورة سيكونون خارج سياق المنافسة.

فى الخبرة المصرية من الصعب القول أن المواطنة تحققت على المستويات الثلاث: القانونية والسياسية والاجتماعية/الاقتصادية. فهناك عوائق تضعها الحكومة وهناك عوائق يضعها المجتمع. فإذا نظرنا إلى عوائق المواطنة القانونية، سنجد غياب القدرة على التمتع بالمواطنة القانونية والسياسية اى المساواة فى الحقوق والواجبات بين عدد من الفئات فى المجتمع المصرى، حيث توجد بعض الجماعات التى تعانى من عدم المساواة القانونية الكاملة وتشعر بالغبن وفق أسس مختلفة: أسس دينية (مسلمين / مسيحيين) أو مذهبية (سنة/شيعة) أو ديانات سماوية او غير سماوية (البهائيين) أو نوعى (رجال / نساء) أو اجتماعى (غنى/ فقير).

على المستوى الدستورى، هناك إقرار بحقوق المواطنة الكاملة للمصريين جميعا بصرف النظر عن الاختلاف فى الدين أو العرق أو اللغة أو الجنس. وعلى الرغم من هذا الإقرار الدستورى بالمساواة الكاملة لكل من يحمل الجنسية المصرية، فأن هناك فئات تشعر بالتمييز على المستوى القانونى مثل الاقباط والبهائيين والشيعة. فيطالب قطاع عريض من الأقباط بوجود تشريع موحد لبناء دور العبادة. ويطالب البهائيين بتفعيل النص الدستورى الضامن لحرية الرأى والاعتقاد. كما تشكو المراة المصرية من عدم المساواة القانونية، فعلى سبيل المثال فى قانون العقوبات، تحابى بعض النصوص القانونية الرجل خاصة فى جرائم الزنا حيث يشتد العقاب القانونى على المرأة مقارنة بالرجل.

وعلى المستوى السياسى، هناك إفراط فى القيود القانونية المفروضة على الحياة السياسية، مما أدى إلى وجود كيانات حزبية هشة لاتستند إلى قاعدة اجتماعية ولاتستطيع التواصل المباشر مع المواطنين من ناحية وحجب قوى وتيارات أخرى عن الشرعية. والنتيجة غياب المنافسة السياسية التى تسمح لكل من يريد أن يدخل الحلبة السياسية أن يدخل.

وأخيرا على المستوى الاقتصادى والاجتماعى تتعدد المؤشرات من انتشار البطالة وتفشى الفقر وتردى الخدمات الاجتماعية المختلفة وغيرها من مؤشرات.

ليست هناك تعليقات: