الأحد، 21 ديسمبر 2008

المواطنة المنتهكة والمواطنة المنقوصة


رؤية فكرية سياسية يقدمها محمد فرج

الأمين العام المساعد لحزب التجمع

مدخل :
هل يوجد في بلادنا من يصرح برفض المواطنة ؟
بصورة صريحة ومباشرة لا يوجد ، فالجميع – نظرياً – يؤكدون على أهمية المواطنة وضرورتها ، ويدعون لاحترامها واحترام الجميع ، لأنهم شركاء في الوطن .
يؤكد الجميع على حقوق المواطنة ؛ فلماذا يزداد الحديث عنها ويتزايد يوماً بعد يوم ؟ وعاماً بعد عام ؟ لابد أن هناك مشكلة تدفع الجميع دفعاً نحو الحديث في المواطنة ، والحديث عنها، والتأكيد علي احترامها .
نعم هناك مشكلة ، فالكلام شيء والواقع شيء آخر ، وكثيرون ممن يتحدثون عن المواطنة وضرورة المواطنة واحترام المواطنة يدوسونها بالأقدام ، والبعض الآخر يؤكد على حق المواطنة في جانب ويمارس انتهاك حقوقها في جانب آخر ، والبعض الآخر يتحدث دون اقتناع أو يتحدث بلسانه وفي قلبه عكس ما ينطق به اللسان ، وفريق آخر يتحدث بوعي أو بدون وعي عن مواطنة منقوصة .
هل المواطنة المنقوصة أمر ممكن ؟ هل هي خير ؟ أم أنها أخطر على المواطن من المواطنة المنعدمة ؟ فهل كل انتقاص مكتمل بمواطنة جزئية أم أن كل انتقاص هو حذف وخصم من الحقوق الكلية ؟
عن المواطنة والمواطنة المنقوصة ، عن الحقوق المتكاملة للمواطنة والمواطنة الجزئية نتحدث ، لنفتح باب النقاش حول حقيقة أوضاع المواطنة في بلادنا .
المواطنة والإنسان :
لكل إنسان حقوق عامة وخاصة ، يتم التعبير عنها بحقوق الإنسان ، وهي حقوق يتم الكفاح الفردي والجماعي من اجل تحقيقها ، أو تحقيق بعضها ، وقد ناضلت الإنسانية من أجل صياغة هذه الحقوق في عهود دولية ودساتير وتشريعات وقوانين ، ونشأت مؤسسات ومنظمات وهيئات دولية وإقليمية وقومية ووطنية من أجل نشر الوعي بهذه الحقوق وتحقيقها ومراقبة عمليات انتهاكها .
وقد شهد التاريخ الإنساني كل من عمليات الكفاح من أجل تأكيد حقوق الإنسان ، وعمليات الانتهاك الصارخ لهذه الحقوق على كل المستويات الدولية والمحلية ، ومازال هذا الواقع المزدوج موجوداً في الوقت الراهن وعلى كل المستويات .
ولا يمكن مناقشة حقوق المواطنة خارج كل من هذا السياقين المزدوجين : التاريخ والحاضر، والكفاح والانتهاك ، حيث تتميز حقوق المواطنة بكونها حزمة من الحقوق ، وبأنها تكاد تكون حقوقاً شاملة لكل ما ينطوي عليه تعبير حقوق الإنسان .
حزمة الحقوق :
فالمواطنة ليست مجرد تعبير يكتسب قوته من انتسابه للوطن فقط ؛ بل من حزمة الحقوق التي ينطوي عليها هذا التعبير ، تلك الحزمة التي تكاد تشمل ما ينطوي عليه تعبير حقوق الإنسان من حقوق عامة وخاصة ، حيث تنطوي هذه الحزمة على الحقوق السياسية والمدنية ، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، والحقوق الثقافية والدينية ، من حق التصويت والترشح إلى حق التعبير والتنظيم والاعتقاد ، مروراً بحق العمل والسكن والعلاج والمثول أمام القاضي الطبيعي وغير ذلك من الحقوق .
لكن هذه الحزمة من الحقوق التي تندرج تحت مفهوم حقوق الإنسان ، تكتسب في المواطنة قاعدة ارتكاز مستندة على أولوية الانتماء للوطن على غيرها من الانتماءات الجنسية والعرقية والعنصرية والعقائدية والدينية ، ففي المواطنة الوطن هو الأصل ، الوطن هو الأساس ، ولذلك فإن الانتساب للوطن هو أصل وأساس اكتساب المواطن لحزمة كاملة شاملة من الحقوق دون تمييز بسبب أي انتساب أو انتماء آخر ، والانتساب للوطن هو أصل وأساس التزام المواطن بأعباء حزمة كاملة وشاملة من الواجبات دون تمييز .
لكن هاتين الحزمتين المتكاملتين من الحقوق والواجبات كانتا مجالاً للكفاح من أجل الاكتساب والانتساب عبر التاريخ ، وكانتا مجالاً للكفاح ضد الانتهاك عبر التاريخ ، فلم تشمل حقوق المواطنة جميع السكان القاطنين تحت مظلة الوطن لوقت طويل ، فالحكام في العصور القديمة ميزوا بين السادة النبلاء والعبيد والنساء ، فالمواطنون الذين يتمتعون بحقوق المواطنة هم السادة النبلاء كبار الملاك ، قادة الحرب والأمن والساسة ، أما بقية السكان من عبيد ونساء وفقراء فلم يحرموا من حقوق المواطنة فقط ، بل حرموا من كونهم مواطنين أصلاً .
ففي أقدم ديموقراطية في التاريخ حرم أغلبية السكان من شرف اعتبارهم مواطنين ، فلم يكن من حق الأغلبية أن يرشحوا أنفسهم أو يرشحهم احد لمواقع الحكم ، ولم يكن من حقهم اختيار الحكام ، ولم يكن من حقهم مجرد التحدث في الاجتماعات العامة ، فقد كان عدد سكان أثينا حوالي 315 ألف نسمة من الذكور والإناث ، وكان من يحق لهم حضور اجتماعات اختيار الحكام والقادة حوالي 43 ألف نسمة فقط ، وهؤلاء هم فقط من يتمتعون بحقوق المواطنة المرتبطة بالنشاط العام والحقوق السياسية ، وكان المستبعدون من هذه الحقوق هم جميع النساء وجميع العمال وجميع الغرباء والعبيد وعددهم حوالي 143 ألف نسمة من السكان البالغين والذين ودعوا سن الطفولة .
ولم يدخل النساء في زمرة المتمتعين بحقوق المواطنة إلا عبر كفاح وصراع طويل ، وعبر ثورات اجتماعية وسياسية ضد نظم العبودية القديمة والحديثة ، وضد نظم السخرة الإقطاعية والتمييز العنصري ، وعبر نهوض فكري وتنوير ثقافي أسس لمفهوم المواطنة الحديث والديموقراطية المعاصرة .
المواطنة والتمييز :
لم يكتمل مفهوم المواطنة ويتكامل إلا عبر الثورات والتحولات العاصفة ، ولم تكن هذه الثورات والتحولات إلا كفاحاً ونضالاً طويلاً ودامياً ضد أشكال وأنماط وصنوف التمييز المختلفة بين البشر ، فالمواطنة صنو المساواة وعكس التمييز ، المواطنة هي المساواة في الحقوق والواجبات ، هي المساواة بين أبناء الوطن الواحد أمام القانون ، دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو العرق أو العنصر أو العقيدة الفكرية أو السياسية أو الدينية .
لذلك فإن الخط الصاعد لاكتمال مفهوم المواطنة كان دائماً هو خط الكفاح ضد التمييز ، هكذا ينبئنا التاريخ عن ثورات العبيد ضد العبودية ، وثورات الفلاحين ضد السخرة الإقطاعية ، وثورات وانتفاضات السود من أجل تأكيد حقوقهم المدنية ، وثورات النساء ضد التمييز ، وكان هذا الخط الصاعد للكفاح من اجل المواطنة هو خط الكفاح من اجل تأسيس دولة القانون ، وتأكيد حقوق الإنسان .
فالدولة الحامية للمواطنة هي دولة القانون ، هي الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة ، التي لا مرجعية لها إلا الدستور ، فالدستور هو مرجعية دولة المواطنة كدولة مدنية ، هذه الدولة المدنية هي صنو لدولة القانون ، وعكس لأي دولة استثنائية ، سواء كانت هذه الدولة عسكرية أو بوليسية أو دينية .
فالدولة العسكرية دولة استثنائية ، والدولة البوليسية دولة طوارئ ، والدولة الدينية دولة تمييز بين المواطنين على أساس الدين ، وهذه الأنماط الثلاث من الدول ليست دول قانون ، وليست دول ديموقراطية ، وليست دول مواطنة ، وذلك لافتقادها لمرجعية القانون ، ولافتقادها لمرجعية المساواة بين المواطنين دون تمييز .
المواطنة المنتهكة :
لكن مشكلات المواطنة ليست في الدولة وحدها ، بل – أيضاً وربما أكثر – في المجتمع ، في تصورات المواطنين وأيديولوجياتهم وثقافتهم السائدة ، ونحن في مجتمعنا المصري ومجتمعاتنا العربية نعيش حالة ازدواج سلوكي ومعرفي وثقافي (على مستوى النصوص الدستورية والقانونية ، وعلى مستوى الموروث الثقافي والديني ، وعلى مستوى الخلط بين الدين والسياسة والدين والوطن ، وعلى مستوى الأفراد والوعي السائد بالمواطنة) .
وتعكس هذه الازدواجية نفسها في تجاور النصوص الدستورية والقانونية التي تؤكد على المواطنة والتي تجزئها وتنتقص منها ، وتعكس نفسها أكثر في الفجوة بين الأقوال والأفعال، بين التصريح والتشريح ، بين العبارات والقناعات ، تلك التي تعكس نفسها في سلوك مضاد للمواطنة وحزمة الحقوق المترتبة عليها .
في المواطنة الوطن هو الأصل ، وحزمة حقوق المواطنة : الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية نابعة من الانتماء إلى الوطن ، وهي حزمة من الحقوق يجب أن يتمتع بها كل من يستظلون بظل الوطن ويتجنسون بجنسيته ، بغض النظر عن أي انتماء آخر ، وبصفة خاصة الانتماء إلى دين معين ، أو عرق معين ، أو طبقة معينة ، أو وظيفة معينة ، أو نوع معين ، فحزمة المواطنة ليست حقاً للرجال دون النساء ، أو المسلمين دون المسيحيين ، أو الأغنياء دون الفقراء ، ... إلى أخره .
لكن المواطنة كحزمة حقوق ليست كذلك في الواقع ، ليست كذلك في الممارسة ، فالكثير من حقوق المواطن منتهكة عن طريق انتهاك مبدأ المساواة ، فالمواطن الفقير ليس كالمواطن الغني ، والمرأة ليست كالرجل ، وابن البلد ليس كالأجنبي ، وتحدث عمليات انتهاك مبدأ المساواة في أماكن كثيرة ، في المصلحة الحكومية ، وفي الشارع ، وفي قسم الشرطة .
في الممارسة اليومية ، في الحياة ، المواطنة ليست نابعة من الانتماء للوطن ، والوطن ليس هو الأصل ، ففي الممارسة توجد عدة انتماءات تسبق وتجب الانتماء للوطن ، وتنتهك مبدأ المساواة ، وتميز بين المواطنين ، وتوجد نوعاً شاذاً من المواطنة ، هي المواطنة المنتهكة ، فهي مواطنة منتهكة بالانتماء للمال والثروة ، وهي منتهكة بالانتماء للنفوذ والسلطة ، وهي منتهكة بالانتماء للعقيدة الدينية .
في ظل هذه المواطنة المنتهكة المواطنون أمام القانون ليسوا سواء ، وفي ظلها الوطن ليس للجميع ، بل لملاك الثروات ، وأصحاب الحظوة والنفوذ ، والجاه والسلطان ، وأصحاب دين معين دون غيره من الأديان ، فهل يمكننا اعتبار هذه المواطنة المنتهكة مواطنة حقيقية ؟
المواطنة المنقوصة :
في الممارسة اليومية نصطدم بوجود "مواطنة منتهكة" ، لكننا في الوعي الشعبي السائد ، وفي الثقافة السائدة نتعرف على وجود "مواطنة منقوصة" ، ليس فقط لوجود ازدواج ثقافي يتعايش معه المواطنون من كافة الطبقات الفقيرة والغنية ، بل أيضاً للخلط بين مختلف الانتماءات في الوعي الشعبي ، وبصفة خاصة الخلط بين انتماءين ، هما الانتماء للوطن والانتماء للدين .
الانتماء للدين يحدد العلاقة بين الإنسان وربه ، وهو انتماء يتحرك في مجال الإيمان ، ويمثل للفرد وللجماعة المنتمية لهذا الدين أو ذاك مرجعية دينية وأخلاقية ، بما يرتبه هذا الانتماء من واجبات دينية ، والانتماء للوطن يحدد العلاقة بين الأفراد المواطنين ووطنهم وبعضهم البعض ، وهو انتماء يتحرك في مجال المواطنة ، التي تقوم على قاعدة أن الوطن للجميع ، ويمثل هذا الانتماء للأفراد والجماعات المختلفة المنتمية لهذا الوطن مرجعية سياسية وقانونية ، بما يرتبه هذا الانتماء من حقوق وواجبات على الجميع دون تمييز .
المواطنة المنقوصة حين تنبع من الخلط بين الانتماءين الديني والوطني ، تضع الدين مكان الوطن ، فتختصر المواطنة وحقوقها ، وتختصر الوطن ، وتحذف منه بعض الجماعات الوطنية بسبب انتمائهم لدين غير دين الأغلبية ، ولا يصبح الوطن وطناً للجميع ، بل للبعض، للمسلمين فقط ، أو للمسيحيين فقط ، أو للمؤمنين فقط .
في الوعي الشعبي السائد المواطنة غائمة ، وهائمة في مجالات الوعي الديني السائد ، وسؤال الانتماء الديني مسيطر ومهيمن ، حتى إذا لم يظهر بشكل مباشر ، فهو وارد في الاسم ، وفي خانة الديانة في بطاقة الهوية ، وفي الحكايات والخرافات السائدة ، وفي أخبار ومانشيتات الصحف ، وصفحات الحوادث ، وأقسام الشرطة ، ولذلك فإن هذا الوعي السائد لا يعترف بمواطنة فعلية إلا من خلال الانتماء لدين الأغلبية ، فالمواطنة الكاملة في هذا الوعي الشعبي السائد ، هي المواطنة التي تجمع بين الانتماء للوطن والانتماء لدين الأغلبية.
أما الإخوة في الوطن من أصحاب الديانات الأخرى ، من الأقليات الدينية ، فلهم مواطنة أخرى من الناحية الفعلية ، هي المواطنة المنقوصة ، حتى لو انطلقت الحناجر لتقول : لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وربما بسبب هذا التعبير نفسه .
خاتمة :
نحن إذن أمام أنواع مختلفة من المواطنة ، على الرغم من أن المواطنة واحدة ، وهذا هو التناقض الحقيقي ، وهو تناقض نابع من حالة الازدواج الثقافي التي يعيشها المواطن المصري والعربي ، ونابع من الفجوة بين القول والفعل ، بين النظرية والممارسة ، ونابع من التعايش اليومي مع حالات فعل التمييز والانتهاك .
لذلك لا نلتقي في الممارسة مع المواطنة الفعلية ، بل مع مواطنة منتهكة ، ومواطنة منقوصة ، المواطنة المنتهكة هي التي تتقدم فيها انتماءات الثروة والسلطة والعقيدة الدينية على الانتماء الأصلي للوطن ، والمواطنة المنقوصة هي التي تشترط مع الانتماء للوطن ضرورة الانتماء لدين الأغلبية .
المواطنة المنتهكة تقوم على تمييز صارخ ؛ اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي ، والمواطنة المنقوصة تقوم على تمييز شارخ ، طائفي وديني في جوهره ، اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي في النهاية .
فهل يمكن أن تلتقي المواطنة مع أوضاع الانتهاك والتمييز بحيث نتحدث عن مواطنة منتهكة ومواطنة منقوصة ؟
نظرياً جائز ، بحثياً جائز ، حتى نتمكن من رصد الواقع الفعلي ، لكن المواطنة حزمة من الحقوق ، تبع من أولوية الانتماء للوطن ، ومن مبدأ أن الوطن هو الأصل ، وان الدين لله والوطن للجميع ، دون تمييز بسبب أي انتماءات أخرى .لذلك فإن المواطنة المنتهكة ليست مواطنة ، والمواطنة المنقوصة ليست مواطنة .

ليست هناك تعليقات: